مفهوم الانتحار في عالمنا تغير، وقديما كنا نقرأ ونسمع عن الانتحار في بعض دول اوروبا باعتباره ظاهرة تدلل على الفراغ الروحي، وان هذه الفئات لديها كل متطلبات الحياة المترفة لكنها فقدت المضمون والهدف فقررت مغادرة الدنيا! فالظاهرة لم تكن ظاهرة عربية، وحتى الان ما نسمعه عن حالات انتحار في الاردن فانها ما زالت تمثل حالات فردية، وليس الفقر سببها بل فقدان الامل، او ربما الانغماس في مشكلة الى حد اللاعودة، او اي اسباب شخصية، لكن كل هذا لا يعني ان نغمض اعيننا حتى عن حالات فردية، ومن الضروري ان تخضع للدراسة ومعالجة الاسباب حتى وان كانت محدودة وشخصية.
وتحت عنوان الانتحار شهدنا في زمن الانتفاضة الفلسطينية ضد الاحتلال جدلا اثارته بعض الاوساط الدينية تبنت رأيا بان من يقوم بعملية استشهادية ضد الاحتلال يمارس الانتحار، وكان رأيا ضعيفا معزولا يتجاوز فهم العلاقة بين المجاهد وحقه في مقاومة الاحتلال، وانه لا يذهب ليتخلص من حياته، وكان الرأي ضعيفا لانه في قضيته لا يتوانى المحتل الصهيوني، وهو الطرف الاخر، عن القتل والاجرام والعدوان بحق الاطفال والنساء والرجال وحتى الشجر، فالمجاهد هنا لا يذهب ليقتل نفسه بل ليقاتل، ولو كتب الله له النجاة لعاد للقتال، وليس ممن يرمي نفسه من بناء مرتفع ليموت.
لكن مفهوم الانتحار دخل مرحلة جديدة عندما تم استنساخ العمليات الاستشهادية من قبل بعض المجموعات المتشددة، لكن ليس باتجاه قوات محتلة او جيوش اجنبية معتدية لكن في المدن والشوارع والمجمعات السكنية، ونشأ لدينا منذ سنوات نمط من العمليات الانتحارية ظاهرها دوافع دينية، لكنها تفتقد الى المنطق الديني او الوطني؛ فهي لم توجه الى عدو او محتل، لكنها كانت تعبيرا عن فكر غير سوي، تبنى اصحابه آراء شرعية خاصة جعلتهم يعطون لأنفسهم حق قتل المدنيين والابرياء من العرب والمسلمين، بل من جنس الانسان، انسان يمشي في الشارع او يركب قطارا او يجلس في مطعم.
مشكلة "الانتحار" الجديد انه لا يقتل نفسه فقط، لكنه يعطي نفسه حقا شرعيا وسياسيا في قتل الناس، ولو كان هذا الجهد موجها ضد احتلال غاشم او عدو ظالم لكان الحال مختلفا، لكنه غير خاضع للقبول عندما يكون الانتحار خارج اطار الضرر على شخص المنتحر، بل يحول نفسه الى كتلة من الموت عبر حزام ناسف او سيارة مفخخة يدخل بها الشوارع او المطاعم او الفنادق او مجمعات سكنية، يدخلها ويفجر نفسه بما يحمل من ادوات الموت، وهو يعتقد ان هؤلاء الناس والاطفال يستحقون الموت، يقتلهم وينتحر وهو يعتقد انه يقتل نفسه ويقتل الاخرين باعتباره بطلا ومجاهدا، ويرى انه عندما يفجر سيارة مفخخة يقودها في شارع، وليس في معسكر جيش محتل، يرى انه يعبد الله ويخدم الاسلام، وانه يتقرب الى الله وسيدخل الجنة بقتل رواد المطعم او المقهى او الشارع او المدرسة.
حين يقدم احد على الانتحار يكون على يقين انه يضع نهاية لحياته، وانه يهرب من مشكلاته ويذهب الى المجهول او الى موت سواء آمن بوجود حساب بعد الموت او لم يؤمن، وكل هذا يبقى ضررا فرديا ومشكلة في حدود اسرة، لكن المشكلة عندما يحترف البعض صناعة الموت ويصنعون مؤسسة للانتحار لا تعطيهم فقط حق قتل انفسهم، بل وقتل الاخر من مدنيين وابرياء، والخطورة في الفكر الذي يستخف بقيمة الحياة والانسان وتحويله الى وقود اعلامي ليرفع قيمة ضحايا تفجير او سيارة مفخخة.
احد مقاييس الفكر السوي - ايا كان منطلقه- والدين الذي ينتمي اليه ان يكون مقدسا للحياة وحق الانسان في الحياة، ولهذا جاء الفكر الاسلامي يجعل قتل النفس بغير حق كقتل الناس جميعا، ويجعل هدم الكعبة حجرا حجرا أهون على الله تعالى من سفك دم امرئ مسلم، وكانت الحرمة لكل روح بشرية، وحتى المساحة المعطاة للقتال فقد كانت محكومة بضوابط وشروط تجعل القتال استثناء وصناعة الحياة هي الاصل.
الانتحار لم يعد شخصا يشرب كميات من الدواء او مبيد حشري ليخرج من الدنيا لمشكلة يعانيها، بل فكر يعتقد اصحابه انه مقدس، وهو انتحار يعطي لصاحبه الحق في قتل من يشاء وازهاق من يجده في طريقه من أرواح.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة