ربما لم تجلب انتباه الناس عملية تسلم رئاسة الجمهورية الفرنسية التي تمت قبل الايام، لأن ما جرى ليس مثيرا. فالامور اعتيادية؛ إذ وصل الرئيس الجديد، نيكولا ساركوزي، الى قصر الاليزيه، حيث قام ببعض المراسم البروتوكولية والدستورية، واجتمع مع سلفه، الرئيس جاك شيراك، لنصف ساعة تسلم خلالها شيفرة القوة النووية الفرنسية.
لكن ما هو اكثر ايجابية، هو تلك المؤسسية التي جعلت الحدث عاديا. فبعد ان اصبح ساركوزي رئيسا لفرنسا، استقل شيراك سيارته مغادرا قصر الاليزيه الى بيته، بعد ان حكم فرنسا 12 عاما.
وبالمناسبة، فإن ساركوزي لم يفز برقم فلكي مثل ارقام الجمهوريات العربية "الديمقراطية"، فما حصل عليه كان اقل من 54% من اصوات الناخبين، اي وفق التقديرات المدرسية "على الحفة" او "مقبول"! وهذا لا يخجله، لان الديمقراطية، كما يفهمها هو وشعبه، تعني ان تفوز بثقة الاغلبية؛ فالمطلوب هو رئيس لفترة او فترتين، وليس نبياً او رجلا معصوما عن الخطأ، ملهما لا يأتيه الباطل.
الجمهوريات تتشابه في الاسم، لكن لدى معظم الغرب هناك احترام لحق المواطن في الاختيار. فإذا كان الدستور ينص على دورتين، فإن الرئيس يغادر قصر الرئاسة بكل هدوء. أما جمهورياتنا، كما يقول الاطفال، فهي "فستق فاضٍ". فبعض الرؤساء عندما تقترب نهاية مدته الدستورية، اما ان يعدّل الدستور ليعطي نفسه مدة اضافية، او يحرك الجماهير عبر استفتاء ليعود رئيسا لان الشعب لا ينام الليل من القلق اذا ما غادر الزعيم مكانه!
والمفارقة ان جمهورياتنا مكتظة بالقمع وقوانين الطوارئ، اي الاحكام العرفية، وفيها يحصل القادة على اكثر من 99%. فلماذا تخاف هذه الجمهوريات، وتمنع العمل السياسي والتعبير، وهي تحظى برضى كل الناس، وتم اختيارها من قبل كل المواطنين؟! واذا كان هذا الخوف، فلمذا تتدافع الشعوب لانتخابهم، وكيف يكون حال ساركوزي الذي لم يحظ بثقة الا حوالي 54% من الفرنسيين؟!
وديمقراطية جمهورياتنا ليست فقط في وقت مضى، بل هناك قناعة لدى قادة معظم الجمهوريات ان الارقام التي يحصلون عليها في الانتخابات او الاستفتاءات هي أشبه بأرصدة مالية يتم نقلها للورثة. فإذا حصل الاب على 99%، فإن الابن يحصل عليها، بل كل الابناء! فإذا مات احدهم، فإن الاخ الذي يليه يرث ذات الارقام؛ فالجميع مشاريع رؤساء، والجماهير تهتف لمن يأتي، والصناديق جاهزة، وحتى الدساتير مطيعة ومستعدة للتعديل خلال دقائق، لأن هذه الدساتير تعلم أن لا مجال لاضاعة الفرصة على الامة باستقطاب زعيم ملهم، ولهذا يبادر الدستور الى الطلب من مجالس الشعب ان تعدله.
54% من اصوات الفرنسيين لرئيس فرنسا الجديد تشعره بالشرعية، و99.9% لدى بعض جمهورياتنا لا تعطي لاصحابها شعوراً بالامان. فالخوف من كل شيء، والقمع والقوانين العرفية جزء من ادوات الحفاظ على الذات، وفي داخل كل واحد منهم شعور بأنه لا يمثل احدا من مواطنيه، وهو يعلم ان الهتافات والمسيرات اجزاء من مسلسلات؛ فهي بقرارات امنية او سياسية، والناس تخرج "اتقاءً للشر".
غادر شيراك قصر الاليزيه الى منزله، لكن هذا المشهد لا يحدث في عالمنا الديمقراطي؛ فالخروج اما إلى القبر، او انصياعا لانقلاب.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة