البيانات النارية والمشاركة في الندوات والحوارات في فنادق عمان ليست هي مقياس وجود الحزب وقوته, بل العمليات السياسية الكبرى وأهمها الانتخابات البلدية والنيابية.
نعلم جيداً الواقع المتردي لمعظم احزابنا ولهذا لن نطالبها بفوز ساحق، لكن على الأحزاب أن تؤدي دوراً يتناسب مع حضورها الاعلامي وخطابها الذي يتحدث باسم الشعب الاردني، اي نطالب بحضور في الانتخابات البلدية مثلاً، وهي انتخابات سهلة حتى على عائلات او عشائر صغيرة، وليس على احزاب.
نظام الانتخابات البلدية قسّم المدن والبلديات الكبرى إلى مناطق صغيرة، اي اذا كان لدى الاحزاب حضور او الحد الادنى من التمثيل لفئة من الاردنيين فعليها ان تسجله في الانتخابات البلدية، وان يكون لها دور في العملية الانتخابية، مثل التسجيل الذي اوشك على الانتهاء ثم الترشيح وضخ الحرارة في الانتخابات، وهنا لا نتحدث عن عضو في مجلس بلدي او اثنين هما محصلة عمل المكاتب السياسية واللجان، ولا نتحدث عن مرشحين سريين يترشحون ممثلين لعشائرهم او عائلاتهم ثم نكتشف بعد حين انهم حزبيون، وانما عن قوائم لمرشحين يمثلون احزاب الوسط مثلاً او قوى المعارضة باستثناء الاسلاميين الذين لا يتحالفون انتخابياً مع هذه الاحزاب، فلماذا لا يسمع الأردنيون عن قائمة لأحزاب الوسط او اي ائتلافات وسطية، او لأحزاب المعارضة، واذا كانت انتخابات سهلة مثل البلديات لا تخرج هذا الحضور، فمتى يسمع الاردني بأكثر من ثلاثين حزباً؟!
اذا ارادت بعض احزابنا ان تبقى مرتاحة، وهي تعيش دور المظلوم والضحية للتاريخ وسياسات الحكومات، فهذا امر ينفعها في صياغة اوراق عمل لكنه لا يخرجها من ضعفها، ومن واجبها ان تحاول وتحاول، هذا اذا امتلكت الحد الادنى من القدرة على المحاولة، لكن لن تجد الاحزاب مواسم سياسية لتقترب من الناس مثل الانتخابات، لكن هل هي عاجزة حتى عن انجاح بعض اعضاء في قوائم انتخابية يحملون فكرها وبرامجها!
نحن لا نحمل الأحزاب اكبر من حجمها وطاقتها، لكن ادنى صور المشاركة السياسية تفرض عليها التواجد، ومرة اخرى لا يمكن للاحزاب الوسطية المكونة من عشرات الاحزاب ان تقول للاردنيين انها موجودة، وهذا ينطبق على احزاب المعارضة من يساريين وقوميين، وهنا يمكنها التحالف فبرنامج البلديات ليس سياسيا، بل هو "خدماتي" يرتبط بتعبيد الشوارع وتنظيمها وإصدار رخص البناء.
الكثير من الاحزاب تبرر عدم فوزها بالانتخابات النيابية بقانون الصوت الواحد، لكن ماذا عن قانون البلديات الذي فتح الباب امام الانتخاب المباشر والكامل، وقانون الاحزاب الجديد فإنه لم يطبق بعد ليقول البعض انه سبب الضعف، وحتى لو كانت كل هذه الاسباب فإن محاولة التواجد ضرورية، الا اذا كانت بعض احزابنا لا تملك حتى القدرة على ترشيح عضو في مجلس بلدي.
قرأنا جميعا انباء عن اسماء حزبية وعن تفكير ببعض القوائم الصغيرة وهي محاولات جيدة، لكن هذا لا يمثل تحركا حزبيا ونشاطا يتناسب مع العدد الكبير جدا من الاحزاب والائتلافات والتحالفات التي يسمع المواطن عنها من اليمين واليسار والوسط.
الحضور الحزبي بشكل عام ضعيف في الانتخابات البلدية، فالإسلاميون فقط رشحوا ولأسباب غير سياسية رؤساء لعشر بلديات فقط من اصل 93 بلدية، وهي نسبة تقل عن 10%، وهم موجودون بشكل ملحوظ، والاحزاب الكثيرة ما زالت حركتها بطيئة، ومن المؤكد انها لن تخرج عن المشاركة الرمزية، وهذه انتخابات سهلة وقانونها ديمقراطي وطريقة تقسيم المناطق تجعل من الممكن الحصول على مقاعد.
امامنا حوالي شهرين على بدء الترشيح والفرصة متاحة امام من يملك القدرة على تشكيل حضور ان يفعل ذلك، اما من لا يملك هذه القدرة فحتى لو وضع هو القانون بيديه فإنه لن يستفيد شيئا.
جميعا يحرص على تطوير الحياة الحزبية، لكن الشكوى والتذمر والذاتية المفرطة التي أنتجت هذا العدد الكبير من الاحزاب المتشابهة وفشل كل محاولات الاندماج او على الأقل تشكيل تيارات متجانسة، كل هذا لا يبشر بمستقبل معقول، فالمشكلة ليست فقط في التشريعات بل ايضا في عوامل ذاتية داخل أغلب احزابنا.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة