بعيدا عن مواد القانون فإنه في كل انتخابات عامة بلدية او نيابية بشكل خاص تكون هناك فئات من المرشحين ترصد مئات الآلاف من الدنانير لانفاقها على الحملات الانتخابية، وهنا لا نتحدث عن الانفاق الطبيعي من تكاليف فرق العمل والدعاية وفتح المقرات وغيرها، بل عن انفاق لشراء الاصوات او تحييد بعض الجهات او العبث في جهات منافسة، والأردن مثل كثير من المجتمعات يتم فيه استخدام المال الانتخابي. فالناس في العديد من المناطق يتحدثون عمن استعمل المال عبر حقائب او دفع "لمفاتيح" مجموعات اجتماعية، او شراء اصوات بما في ذلك استخدام قطع ذهبية او شراء كل صوت بمبلغ، احيانا نسمع عن تقسيم ورقة النقد الى قسمين وغيرها من الاساليب التي يتم الحديث عنها.
الآن ونحن مقبلون على الانتخابات النيابية، بدأنا نسمع عمن رصد نصف مليون او اكثر واحيانا نسمع عن اضعاف هذا المبلغ من اجل الفوز، وهنا لا نتحدث عن القانون بل عن تأثير هذا على الناس وعلى اجواء الانتخابات، علما بان الناس في اي مجتمع قد تأخذ من مرشح يدفع، لكن اعتزازها بنفسها ورغبتها في رد الاهانة تجعلها تذهب الى مرشح اخر، فالمواطن قد ينتخب من يخدمه او يوظف له ابنه او ابنته، وقد ينحاز الى شخص اعطاه وعدا، لكنه لا يحب كثيرا ان يكون سلعة، وان كان هذا لا يعني ان نسبة ما في اي مجتمع تقبض وتنتخب.
هنالك نماذج في استخدام المال الانتخابي توثقها بعض الاعمال الفنية المصرية وتتمثل في انفاق مالي يقدمه بعض المرشحين لكن ليس على سبيل رشوة شخصية او شراء اصوات، بل عبر اقامة مشاريع للدائرة الانتخابية سواء من المرشح او القوى الاقتصادية او السياسية الداعمة له، وهنا نتحدث عن قوى ليست رسمية.
ما يجب ان يتم في اي انتخابات هو تصويت على قدرات ومضمون ومواقف شخص او قائمة او حزب، ويفترض بالمرشح ان لا ينفق الا النفقات الادارية لحملته لا ان يشتري اصواتا او يوزع اساور او خواتم او غيرها من اشكال استخدام المال، لكن ما يجب ان يكون هو الشكل النظري الذي لا يستقيم في كثير من الدول والمجتمعات، ولهذا فإن من واجب كل القوى والجهات الحريصة على نزاهة اي انتخابات ان تحارب عمليات الاستخدام غير الشرعي للمال ليس لانه نقيض لتكافؤ الفرص، او عدو للنزاهة والموضوعية فحسب، بل لانه يشكل نوعا من الاساءة للعمل السياسي واهانة للمواطن الذي يتحول في نظر اي مرشح الى شخص يبيع ويشتري بضميره ورأيه سواء كان هذا المواطن فقيرا او غنيا.
واذا كنا نبحث عن اي عملية انتخابية نزيهة فإن النزاهة منظومة متكاملة احدى حلقاتها الدور السلبي للمال، ومنها تطبيق القانون ونزاهة الجهات الرسمية، ومنها نزاهة المواطن وهو يختار، ونزاهة القوى السياسية والاجتماعية وهي تختار مرشحها، ونزاهة الشخص وهو يتقدم ليرشح نفسه لاي موقع.
المال الانتخابي حكاية عابرة للدول والمجتمعات، لكن هل يمكننا ان نفعل شيئا لمواجهتها في مجتمعنا وعملنا السياسي حتى وان كانت محدودة!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة