أياً تكن التشريعات والأنظمة، فإن لكل شيء منطقا يفترض أن لا يغيب. وهذا ما أشرت إليه، مرات عدة، حول قيمة (راتب) التقاعد الذي يقدم لمتقاعد أو لأرملته وهما في سن الشيخوخة. ويبدو أن الأمر ليس مرتبطاً فقط بالتقاعد الحكومي أو الضمان الاجتماعي، بل ايضا ببعض أنظمة التقاعد الخاصة بالنقابات.
إحدى السيدات الكريمات أرملة لطبيب توفي قبل حوالي عشرين عاماً، وتتقاضى اليوم تقاعداً من نقابة الاطباء لا يزيد -كما تقول- عن 34.5 دينار اردني، ويفترض أن هذا المبلغ يكفيها للحد الأدنى من تكاليف المعيشة.
وتقول السيدة إنها أرسلت رسالة إلى النقابة في مرحلة سابقة، وأن جواباً رسمياً وصلها من النقابة يخبرها أنه تم إصلاح أوضاع من تقاعدوا في مراحل لاحقة وبقيت المراحل القديمة، والتي تشمل حالة السيدة وحالات اخرى لا نعلم عددها.
لا أعلم إن كان هذا الواقع موجودا فقط في نقابة الاطباء أم في غيرها ايضا، لكن أياً كان عدد الحالات وعدد النقابات، فإن مفهوم التقاعد هو دخل يأتي للفرد وعائلته وورثته في مرحلة لا يمكنه فيها العمل. والتقاعد هو محصلة ونتيجة اشتراكه في برنامج تقاعدي، سواء أكان حكوميا أم عبر أي قطاع خاص. وعندما يفقد الراتب التقاعدي قدرته على تأمين الحدود الدنيا لمتطلبات الحياة، فإنه يتحول الى شيء آخر، وعلى الجهة المشرفة عليه أن تعيد النظر فيه ليبقى محافظا على قيمته ورسالته.
عندما يموت رب الاسرة ويكبر أطفاله، فإنه يتمنى أن تبقى زوجته وأرملته تعيش في وضع يغنيها عن أي طرف آخر. فاشتراكه في التقاعد الحكومي أو النقابي أو الضمان الاجتماعي، جزء منه واجب نحو زوجته لتجد ما يؤمن لها متطلبات الحياة بعد وفاته، ولذلك تتم محاكمة هذا الراتب وفق متطلبات الحياة، وليس فقط وفق النظام التقاعدي الذي يفترض ان يتغير ليقدم الحماية للمشتركين. ولهذا، فعندما نتوقف عند 34.5 دينار كتقاعد، فكيف يمكن إنفاقه؟
وفي تقاعد الحكومة، فإن أرملة المتقاعد تتقاضى مبلغا قريبا، وكذلك الأمر في حال الضمان الاجتماعي، ما يدعونا الى إصلاح انظمة التقاعد جميعها باتجاه توفير حد أدنى لهذا الراتب يتناسب مع مستويات المعيشة والأسعار وتكلفة الحياة. وهو الحد الادنى للمتقاعد وهو حي إنما لا يمكنه العمل، وقد لا يكون لديه مصدر آخر للرزق؛ وبعد وفاته لا بد أن يوفر هذا الحد الأدنى لأرملته وأطفاله.
من الضروري أن تُلغى من جداول التقاعد، بكل أشكاله، تلك المبالغ الرمزية التي تصل في حدودها الدنيا الى 35 أو 50 دينارا، أو أقل من 100 دينار لرب الأسرة وعائلته، فهذه الأرقام تفقد المبلغ صفة "التقاعد" أو الدخل، لأن ثلاثين أو أربعين ديناراً لا تكفي شخصا ثمن خبز وفاتورة كهرباء، وليس تأمين الحياة الكريمة!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة