منذ فترة قصيرة وإلى حين إعلان نتائج الانتخابات البلدية ومن ثم النيابية سنسمع ونقرأ عبارات متكررة من فئات من المرشحين في يافطاتهم واعلاناتهم الصحافية وغيرها، يعلن فيها المرشح انه اتخذ قراره بالترشح بناء على رغبة الاهل والاصدقاء، او نزولا عند رغبة العائلة او العشيرة، او انه سيرشح نفسه استجابه لواجبه الوطني، وغيرها من العبارات التي استقتها الشعوب من مسار النظام العربي الرسمي الذي يتحدث قادته باسم الجماهير، او ينظم احدهم استفتاء ليغير الدستور حتى يبقى حاكما سنوات اخرى، او استفتاء على شخصه في عمل شكلي لا يمكن فيه للناس ان تقول له: لا، سواء للخوف او لانه لا بديل له.
حتى لا نظلم النائب فإننا امام واقع لن يعود بامكانه ان يمارس فيه الرقابة والتشريع فقط، فقلما نجد نائبا ليس مضطرا للركض وراء خدمات يقدمها للناس سواء كانت فردية او عامة، الا اذا كان نائبا من الدائرة الثالثة او من حزب، بل حتى نواب الاحزاب لا يمكنهم الا السعي لرضى ابناء دوائرهم، او نائبا قرر دخول المجلس لمرة واحدة، ولهذا لا يمارس السعي للخدمات والواسطات.
لم يعد امرا سهلا ان نجد نائبا متفرغا للرقابة والتشريع، فالنائب يفوز ويترشح "بناء على رغبة الاهل والعشيرة"، اي هو مضطر للحفاظ على رضى الناس، فهو جزء من كل مناسبة اجتماعية، لا يمكنه ان يغيب عن عرس او عزاء او عطوة او نجاح. فالعيون مسلطة عليه والعتب يلاحقه، وحتى لو كان هذا النائب مسيسا مفكرا يفهم في السياسة والفكر، فإنه مضطر في مجاله مع قاعدته ان يتحدث عن نقل معلمة او تعيين حارس وغيرها من القضايا.
النائب اسير واقع اجتماعي واقتصادي وسياسي، فالناس لا تحاسبه على موقف سياسي ولا على رأيه في قانون. والان ونحن في مرحلة التشريح والتقدم يتم التقويم في كثير من مدننا وقرانا وبوادينا على اساس ما قدم من خدمات، وربما يحمّل البعض المسؤولية لقانون الانتخاب، وهذا امر في جزء منه صحيح، لكن الاسباب عديدة والقضية ليست في قانون انتخابات فقط ولا في تقسيم الدوائر فحسب، وانما واقع تكرس ومعطيات ليس من السهل التحلل منها والانتقال في اسس الاختيار الى النائب صاحب المضمون الفكري والسياسي بدلا من النائب صاحب العلاقات والقدرة على تأمين الوظائف ونقل الموظفين.
ولعل من الاوصاف الدقيقة ما نقله احد الاصدقاء عن نائب سياسي لكنه ترشح وفاز "بناء على رغبة اهله وعشرته"؛ هذا النائب نقل عنه انه لم يشعر بالذل مثلما شعر اثناء عمله النيابي، وهذا الوصف قد يراه البعض قاسيا، لكن بعض اصحاب الخبرة يرونه معبرا لان النائب في معظم مناطقنا مضطر لأن يسترضي الجميع، وان يستقبل النقد وحتى الشتائم، واذا اراد العودة فعليه المجاملة حتى في غير وقتها وان يمارس كل ما من شأنه ان لا يجعله يخسر احدا، واحيانا نكون نحن المواطنين قساة، لكنها قسوة مبررة لان بعضنا يرى في النائب الطريقة الوحيدة لخدمته او اعطائه حقه او حل مشكلة، ولعلنا جميعا رسمنا العلاقة بين النائب والناخب على انها صفقة، اي ان الصوت يقدمه الشخص على امل ان يحصل مقابله على خدمة من النائب، وهذا العقد مستمر لمدة عمر المجلس، وعلى النائب ان يكون جاهزا في اي وقت ليرد الجميل ويدفع ما عليه مقابل الاصوات التي حصل عليها.
كل من يقرر ترشيح نفسه سيكون مضطرا لخلع لباسه الفكري والسياسي. ولعل الكثيرين يتمنون خوض انتخابات ذات مضمون سياسي وبرامج وافكار، وعندها لو خسر فان الامر له نكهة مختلفة، لكنّ الكثيرين مضطرون للغة ولاساليب لا يريدونها، وحتى لو فاز فانه سيكون خاضعا لمنطق الركض بين الوزارات وعلى ابواب المؤسسات، فهذا ما يحاسبه عليه الناس اكثر من موقف سياسي يخدم فيه وطنه وامته.
لسنا في مرحلة تحميل المسؤولية للناس أو النواب، فكلنا ضحايا لواقع وتشريعات لا يمكن معها ان نتحدث عن رقابة وتشريع وسياسة وبرامج بقدر حديثنا عن دفتر كبير سجل عليه بعض النواب الخدمات والوظائف التي قدموها في جدول يضم اسم المستفيد والوظيفة والتاريخ، فهذه قد تنفعه يوم لا ينفع فكر ولا سياسة.
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة العلوم الاجتماعية