ستمعنا مع مئات الأردنيين، في مركز جامعة كولومبيا الشرق الأوسط أول من أمس، لمحاضرة الصديق عمرو حمزاوي؛ الباحث الأكاديمي والنائب الليبرالي السابق في البرلمان المصري، عن التدهور في المسار الديمقراطي في مصر. قبل ذلك، دعانا زميله في مؤسسة كارنيغي البحثية الأميركية المعروفة، وزير التخطيط الحالي، د. إبراهيم سيف، إلى لقاء خاص به في منزله مع نخبة من الإعلاميين والسياسيين، تحدث خلاله د. حمزاوي عن تطورات الأحداث في مصر، وما حصل بعد الانقلاب العسكري من سيطرة روح إقصائية مكارثية ضد كل من يختلف مع المسار الحالي!
ربما لم يجد من استمع إلى المحاضرة، أو حتى من حضر اللقاء الخاص، شيئاً جديداً في حديث عمرو على المستوى السردي للأحداث والتطورات المتتالية. إلاّ أنّ أهم ما كشفته تلك "الفرصة" مع شخصية حمزاوي، الباحث والسياسي والبرلماني، هو حجم الأزمة التي يعيشها المثقف الديمقراطي العربي اليوم، ليس في مصر فقط، بل في أغلب الدول العربية؛ وفشلنا إلى الآن في كسر "حالة الثنائية القطبية" في المشهد السياسي بين العسكر أو الدولة والإسلاميين!
تلك الثنائية ولّدت ما يسمّيه عمرو "الإلحاق" التاريخي؛ فالمثقف الديمقراطي يجد نفسه مضطراً إلى الالتحاق بأحد المعسكرين: إمّا الدولة والسلطة، والوقوع في فخّ الدكتاتورية والاستبداد والتسلط، وليتحوّل إلى جزء من هذه الماكينة الإعلامية والسياسية والثقافية؛ وإمّا أن يلتحق بمعسكر المعارضة الذي يقوده الإسلاميون. لكن مع وجود اختلاف شديد بينهما في الأجندة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، فضلاً عن القلق الدائم من عدم إخلاص الإسلاميين للديمقراطية!
هذه الأزمة يعاني منها كثير من المثقفين العرب. لكنها بدت أكثر وطأة وأشد شراسة على عمرو، لطبيعة اللحظة التاريخية الراهنة في مصر. فالجمهور منقسم على نفسه بصورة حادة، بين مؤيدي العسكر ومؤيدي الإخوان، والدولة لا تقبل صوتاً ديمقراطياً آخر يعارض سياساتها، وما يقوم به العسكر من مجازر وانتهاكات لحقوق الإنسان واغتيال للمسار الديمقراطي؛ بمعنى هيمنة روح مكارثية إقصائية شديدة على المناخ العام المصري!
عندما سأله المحامي تامر عبيدات (بعد المحاضرة) عمّا إذا كان نادماً على المشاركة في معارضة الإخوان وتأييد مسيرة "30 يونيو"، أجاب حمزاوي بالتأكيد بـ:لا؛ فهو كان يدعم ممارسة ديمقراطية معروفة، تتمثل في الاحتجاج للمطالبة بانتخابات مبكّرة. لكنّه منذ اللحظة الأولى لـ"3 يوليو" أعلن أنّه يراه انقلاباً؛ ما عرّضه لحملة كبيرة من الإعلام المصري، وللضغوط والإقصاء من أي دور سياسي خلال الفترة الأخيرة!
ما يمكن أن يندم عليه عمرو هو أنّه كان جزءاً من تحالف للمعارضة، اكتشف لاحقاً أنّه عبارة عن اتجاه فاشي، ليست لديه مشكلة في تبرير المجازر والانقلاب على الديمقراطية حماية للعلمانية. فهو يشعر بالخديعة وبالوحدة اليوم، مع عدد محدود من المثقفين المصريين الذين صمدوا، وقالوا: لا للانقلاب. فخالفوا الرفاق والليبراليين، وكل من التحقوا بماكينة الانقلاب بدعوى حماية الدولة من "الأخونة"، وساروا في تأييد الإجراءات والسياسات القمعية العرفية الدكتاتورية، وخلق مناخ الإرهاب الفكري!
من الجيّد أن نعثر على شخصيات ليبرالية محترمة، حمت مصداقيتها وانسجامها مع نفسها، مثل صديقنا عمرو حمزاوي، بالرغم من الثمن الكبير لذلك، حتى على صعيد شعبيته، كما يعترف. فهو في منزلة بين المنزلتين؛ لا هو مع الإخوان الذين وقف ضدهم خلال فترة الحكم القصيرة لمحمد مرسي، ولا مع السلطة التي تنكّل اليوم بكل المعارضين!
لكن ما أختلف فيه مع عمرو حمزاوي، وغيره من كتّاب رائعين ومتميزين مثل بلال فضل، هو أنّهم يساوون بين الأخطاء والنزوات وضعف الخبرة والفرصة غير العادلة التي أتيحت لجماعة الإخوان، وبين الخطايا والنوايا المسبقة لدى الطرف الآخر، المدعوم بالمال والإعلام من النظام الرسمي العربي!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد