يقول احد المختصين في الشأن الايراني، د. محجوب الزويري، ان القيادة في طهران تمارس عملية ضخ اعلامي مركز يستند إلى عرض مشاهد القتل والتفجيرات وغياب الأمن في العراق. والهدف من ذلك هو ان تقول هذه القيادة لشعبها ان عليكم التماسك والالتفاف حول الدولة الايرانية في مواجهة التهديدات الاميركية، واحتمالات الضربة العسكرية المتوقعة من الولايات المتحدة لايران.
وهذا الاستخدام الايراني للواقع الأمني العراقي المتردي استخدام ذكي. فالايراني مخيّر بين واقعه الحالي، وبين واقع يمكن ان يحدث، سيكون شبيهاً بما يعيشه الشعب العراقي بعد الاحتلال الاميركي. وليس الايراني فقط، بل كل انسان يفضل واقعا آمنا، تكون فيه حياته وحياة اطفاله غير مهددة، حتى وان اختلف مع نظام حكمه جزئيا او كليا او اتفق، بدل ان يكون نموذجا مكرراً لما يراه ويتابعه في شوارع المدن العراقية.
وما انتجته التجربة المريرة للتدخل والاحتلال الاميركي للعراق هو حسم خيار كل الشعوب -حتى تلك التي تعيش تحت اسوأ الانظمة قمعا وديكتاتورية، او ضعفا سياسيا واقتصاديا- بأنها تفضل واقعها الحالي على وعود الادارة الاميركية لاي شعب تريد احتلال ارضه، والعبث بنظام الحكم فيه. وربما يصل هذا حتى الى تلك النخب او المجموعات المهاجرة التي تصف نفسها بالمعارضة، وتعلن هويتها عبر اعتراف من الكونغرس والمخابرات الاميركية.
اميركا استطاعت، بكل اقتدار، ان تهزم مشروعها السياسي الذي قدمته تحت غطاء الديمقراطية. وقدمت خدمة كبيرة للعديد من الانظمة، حتى تلك التي ليس لديها شيء تقدمه لشعوبها. فالخيار محسوم لدى اي انسان بين واقعه، على مرارته، وبين احتلال ودبابات وقتل وتدمير وفوضى تصنع واقعا لا يأمن فيه الانسان على نفسه في الشارع او العمل، ولا على ابنه في مدرسته، ولا على زوجته في بيتها.
النموذج الاميركي خيار معقول لشعب الولايات المتحدة والمهاجرين اليها لانه محكوم بمواصفات لا تطبق على الآخرين. أما النموذج الاميركي الخاص ببقية العالم، فلم يعد ورقا او دراسة، بل واقع يراه العالم وتشاهده الشعوب؛ نموذج لا يستطيع احد الدفاع عنه. بل ان هذا النموذج اصبح سيئا لاميركا نفسها، باعتباره تجسيدا لسياستها الخارجية. وجزء من ثمنه تدفعه هذه السياسة عبر المأزقين السياسي والعسكري اللذين يجعلان من القوة العسكرية الاميركية عاجزة عن الفعل المناسب، فضلاً عن حماية نفسها من خسائر متلاحقة ومتراكمة.
يبدو ان على الكثير من الانظمة في العالم العربي والاسلامي، بل وفي العالم أجمع، ان تنشئ مكتبة ارشيفية للواقع العراقي؛ فقد تكون هذه الاشرطة والصور جزءا من المعركة السياسية والاعلامية لتلك الأنظمة لاقناع شعوبها ان اي واقع افضل من الخيار الاميركي ووعود الانقاذ والديمقراطية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة