نشرت الصحف خبرا عن تبرع نقابة المهندسين بحوالي 640 الف دينار اردني لعدد من بلديات المملكة لإنشاء حدائق ومكتبات عامة، حيث سيتم تسليم المبالغ المخصصة للبلديات المعنية لبناء وإنشاء هذه الخدمات للمواطنين، وهذه الاموال ستساهم بجهد وطني لدعم البلديات ومساعدتها على تحسين الخدمات للمواطنين.
القضية ليست في قيمة التبرع او شكل إنفاقه بل في العقلية الايجابية التي نتمنى ان تتسع دائرتها في محيط المؤسسات غير الرسمية والشركات وحتى الاثرياء وأصحاب المال، العقلية التي تجعل الجهات غير الرسمية تشعر بواجبها في عملية التنمية وخدمة الناس ومساعدة الجهات الرسمية وتقديم عون مؤسسي لمكافحة الفقر والبطالة.
نتحدث عن شعور لدى الجهات غير الرسمية والافراد المقتدرين بأن في اموالهم وجهدهم حقا لوطنهم ليس عبر الضرائب والرسوم فقط بل عبر المساهمة في رفع سوية الخدمات وحل المشكلات. وللإنصاف فإن في بلدنا نماذج كثيرة ايجابية من شركات وأفراد يخصصون من اموالهم ما يقدم للوطن وخدماته ومشكلاته، لكننا نطمع في ان نوسع هذا الجهد الكريم ليأخذ اشكالا اكثر، ولعل الكثيرين يتذكرون انه بعد مقتل رفيق الحريري تم الحديث عن بعض اعماله مثل تدريس 30 الف طالب في الجامعات العالمية على حسابه الشخصي، فضلا عن كثير من الاعمال المؤسسية، طبعا ليس عندنا من لديه ثروة مثل الحريري، لكن المطلوب حالة وطنية يجد الناس فيها آثارا لأرباح الشركات وثروات الاردنيين في حياتهم. فمن الممكن ان تكون المساهمة في توسعة مدرسة او إنشاء ملاعب لمدرسة او مختبر في جامعة او مكتبة اطفال عامة، وحتى المساهمة في تعبيد طريق لقرية او حل مشكلات الزواج للشباب او اي مشروع له استمرارية يساعد الناس ويكون عونا للدولة.
لا نتحدث هنا عن قيمة ما يقدم فقط، بل عن منهجية تجعل استثمار المال بشكل اكثر تأثيرا. فالتبرع يجب ان يخرج من اطار التبرعات بالمواد الغذائية وخيم رمضان الى اطار تنموي مفيد وخدمات ملموسة، وأن نتعود على العطاء وليس الاخذ فقط، لأن البعض اعتاد ان يمد يده الى مال الدولة، او ان يسعى الى الحصول على امتيازات، او تشريعات تمنحه اعفاءات ضريبية، فضلا عن الكثيرين من الكبار واصحاب الاموال من شركات وأفراد من الذين يمارسون التهرب الضريبي، فهذه فئات محترفة في الاخذ، وتعتقد ان وجود شركاتها في الاردن خدمة للوطن، وحتى عندما يتبرع بعضهم، فإن التبرع امام أعين اصحاب القرار، او يتحول الى جزء من حملة اعلاناتهم.
البنوك والشركات، وحتى الافراد الاثرياء، لديهم اموال يمكن ان تخصص كضريبة انتماء وأداء واجب نحو الاردن وأهله، لكن قد يكون الامر محتاجا اولا من البعض الى احساس بعلاقة مع الارض والانسان، علاقة يشعر معها الشخص المقتدر انه عندما يقدم شيئا فكأنه يقدمه لأسرته. فالبعض لو حصل على اي امتياز من الدولة يشعر ان هذا جزء من حقه لأنه قُدم لها، فهل نطمع ان يشعر البعض بالشعور ذاته وهو يدفع جزءا من ثروته لبناء ملعب في مدرسة؟
مرة اخرى اشير الى ان لدينا نماذج ايجابية، لكن ايضا لدينا ثروات وشركات وبنوك يمكنها ان تقدم شيئا لمجتمعها، وأن يشعر الاردنيون انها مؤسسات موجودة ويلمسوا دورها الوطني، فتخيلوا مثلا ان ثريا كبيرا وشركة كبرى او بنكا تجاريا يقوم ببناء عشرة بيوت في مدينة او قرية ويقدمها لعشر عائلات محتاجة، او ببناء ملعب لأحد الاندية التي لا تمتلك مقدرات في الشمال والجنوب والأغوار، او التبرع بتكاليف دراسة عشرة او عشرين طالبا من قرية او بادية ممن لا يملكون القدرة المالية.
افكار كثيرة يمكن لمن يملك الرغبة ان يجدها، ولمن اراد ان يقدم بعض ماله لوطنه والناس، لكن الاهم ان يملك البعض القناعة بأن هذا واجبهم تماما كما يشعرون ان تسخير كل نفوذهم للحصول على إعفاء ضريبي حق لهم.

المراجع

الموسوعة الرقمية العربية

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية