بعد مقال "الكرة سياسة وشتائم" (نشر في الغد 29 أيار المنصرم) تلقيت الكثير من الهواتف من أردنيين من "شتى المنابت والاصول "كما نقول، والقاسم المشترك بين ما قاله الجميع ان هناك مشكلة وان هناك اغماضا للعيون عن جذورها وجوهرها، وسمعت من هؤلاء الكرام تفاصيل كثيرة عما يجري في الملاعب مما يعلمه الناس ونعلمه جميعا، لكن ليس من المناسب نشره، ولعل أهم الآراء والتجارب التي سمعتها كانت من مدير دائرة الشؤون الفلسطينية، وجيه عزايزة، الذي اشار الى انه ليس من اهل الكرة لكنه بذل محاولات وحقق نجاحا جزئيا في التخفيف من حدة "الخطاب" للمشجعين لكنه لا يخفي احباطه لان جهات عديدة لا تمارس دورها، بل ربما لا تملك احساسا بالمشكلة.
وما دفعني للعودة الى هذا الموضوع اضافة الى ردود افعال القراء الكرام ما سمعته من مواطن كان احد حضور المباراة الاخيرة في دوري كرة القدم بين الوحدات والفيصلي. هذا المواطن تحدث بمرارة عن سلوكين غير ايجابيين: الاول الشتائم التي كانت في الملعب، واشارت اليها "الغد" يوم الثلاثاء، حيث قالت: ان جمهور الوحدات بدأ المباراة بتوجيه الشتائم، وهنا لا يعنينا من بدأ بقدر وجود الظاهرة التي كان من الممكن ان تكون تشجيعا بدلا من الشتائم، والامر الثاني الذي تحدث عنه هذا المواطن انه بعد انتهاء المباراة وفوز الوحدات تم رفع علم فلسطين، وهنا - كما يقول القارئ- زج لفلسطين وعلمها في مباريات وكرة.
فلسطين قضيتنا جميعا وعلمها راية كريمة، ترفع في مواجهة العدو الصهيوني وسياساته في التهويد وابتلاع الارض وتشريد اهل فلسطين، وفلسطين وعلمها قضية مقدسة ليست خصما لاي ناد في الدوري الاردني، كما انها ليست عنوانا لبطولة يسعى اليها فريق، ولعلي اشترك مع القارئ الكريم في سؤال ماذا لو خسر الفريق فهل هذه ستكون انتكاسة لعلم فلسطين!
الفرق التي تلعب في مباريات الدوري او الكأس يفترض ان ترفع راياتها ويافطاتها. والجميع يلعبون ويعملون تحت لواء اتحاد الكرة الاردني تماما مثلما هي كل دول العالم، وهذا من البديهيات، لكن اضافة الى هذا يفترض ان لا يصنع البعض معطيات مسيئة؛ فعلم فلسطين ليس خصما لجمهور اي ناد يلعب مع الفريق الذي يرفع مشجعوه علم فلسطين، وربما مثل هذه الممارسات قد تواجه من قبل اي شخص او مجموعة ترفع علما لا علاقة له بالاردن ولا فلسطين، على قاعدة ان الاستفزاز المتبادل يدخلنا في مستوى غير مقبول من التعامل.
ليرفع كل طرف راية فريقه، وليهتف له ويشجعه، لكن الافتراق على اسس اقليمية وجغرافية والشتائم السياسية والحديث عن زواج وطلاق وشارون واحمد ياسين وعرفات واعتبار هدف يحرزه احد الاندية انتصارا لفلسطين يتبعه رفع علمها، اي ان هناك طرفا سياسيا خاسرا وراية اخرى منكسة او العكس، كل هذا يفترض ان يجد طريقه للحل النهائي، او على الاقل التعامل معه عبر حلول حقيقية.
وكما قلت في مقال سابق؛ فالمشكلة ليست لدى بعض فئات من المشجعين، بل ان الملاعب انعكاس لساحات ومجالات اخرى، وسنظل ندعو الى تعامل جاد ليس على طريقة الجاهات والعطوات والكلام الانشائي الجميل، بل بوضع الامور على الطاولة، بحيث يتحمل كل طرف مسؤولياته، فكل الحديث عن ان الوحدة الوطنية خط احمر يتلاشى امام سهرة في احد الملاعب مفعمة بتجاوز هذا الخط.
يفترض ان نبقى جميعا نطرق على هذا الباب حتى ننزع فتيل السوء من الملاعب او غيرها، فلا تختزلوا فلسطين في هدف، ولا تشتموا فلسطين نكاية بلاعب او فريق.
المباريات ليست بين اعداء او اطراف صراع سياسي، بل بين اندية اردنية مظلتها جميعا الاردن وعلمه، والملاعب ليست ساحات حرب وشعارات وشتائم، بل تنافس رياضي مهما بلغت شدته فانه لا يصل الى ما نشاهده.
سيقول البعض إن هذه الظواهر تمارسها فئة قليلة، وحتى لو اتفقنا على هذا، فهذا يعني ان واجب العلاج اكبر.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة