الدهشة التي ابداها سيد التنوير العربي "رفاعة الطهطاوي" من باريس ومن مناخاتها الحضارية ودونها في كتاب حال عودته من البعثة التي ارسلها محمد علي ، لم تظل طي الكتمان التاريخي ، بل تحولت الى حالة مستديمة تقيم في بطن الشخصية العربية ويتم التعبير عنها بأكثر من موقع ومظهر.
واصبحت هذه "الدهشة" هي المحرك الاساس في اي شخصية عربية تتبوأ مركزها المسؤول في التدرج الحكومي او الاكاديمي او المعرفي. وصار الموقع الذي يحتله سين أوصاد يعبر عن حالة عدم اليقين التي يعيشها صاحب الموقع من موقعه.
ان هذا الارتباك في عدم تصديق صاحب الموقع للمنصب الذي وضع فيه بات يشكل الاساس لكل تاريخه المنصبي.
فالوزير العربي الخارج اصلاً من بساطة الاحياء الفقيرة وحواريها ومن بساطة الريف وقهره المعيشي الذي غلف حياته ما زال وبرغم كل الأبهة التي تحيط به من منافقين وحينما يجلس مع نفسه يصاب بالدهشة من هذه القفزات التي اتيحت له واوصلته الى هذا المقام.
والنائب البرلماني الذي دفعته مهارته اللسانية او الاقتصادية أو العشائرية ان يجلس تحت قبة البرلمان ويناقش تشكيل الوزارات ويصادق على ميزانية الدولة وعلى كافة القرارات المصيرية مازال يندهش حينما يشاهد نفسه على شاشة التلفزيون وهو يخطب وكأن هذا ليس من حقه اصلاً.
ويمكن اسقاط ظاهرة الدهشة هذه على كافة المستويات التي يصبح فيها الفرد مسؤولاً او في مساحة الضوء الاجتماعي. حتى انه يمكن القول أن وضعية الفتك التي يقوم بها الأب العربي تجاه عائلته وتجليات التسيد التي يقوم بها تعتمد اساساً على حالة الدهشة التي يعيشها هذا الأب والتي تجعله لايصدق كل هذه الصلاحيات التي يملكها اتجاه عائلته.
ان حالة الدهشة التي ابدها رفاعة الطهطاوي ذات قرن تحولت في التاريخ العربي الناهض من ولاية عثمانية مريضة بالمناصب والتسميات التراتبية ، الى دهشة يُمكن اسقاطها على كافة المناحي الحياتية ، دهشة تجعل كل يتسلم موقعه القيادي والمسؤول يعيش في شخصيتين الاولى هي التي تمارس على الناس أعتى حالات التسيد والثانية هي الدهشة التي تجعله لا يصدق الموفع المتاح له.
ولعل الفرق بين شخصية المسؤول الغربي وشخصية المسؤول العربي أن الاول يظل يقيم في منطقة اليقين من ان هذا المنصب قد حصل عليه بسبب جهده وعصاميته ، بينما يظل المسؤول العربي يشعر ان منصبه جاء نتيجة مصادفات وهذا بالضبط ما يجعله يقيم بشكل دائم في منطقة الدهشة وعدم التصديق.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور