لماذا؟!..
نرى شخصياتٍ مرموقة حكيمة، يمكن أن نستفيد كثيراً من أفكارها ورؤاها ومجهوداتها؛ لكننا نتخلّى عنها أو نتجاهلها، بينما هي تحظى باهتمام واسع وكبير في العالم العربي؟ من هؤلاء فهمي جدعان الذي تُدرّس كتبه في أهمّ الجامعات العربية، وتمثّل مراجع أساسية في الفكر العربي والإسلامي، مثل كتابه "أسس التقدّم عند مفكري الإسلام"، أو كتابه "نظرية التراث"، أو حتى كتابه "المحنة" عن سؤال خلق القرآن في التاريخ الإسلامي، وما تعرّض له الإمام أحمد بن حنبل، وجدلية الديني والسياسي في الإسلام.
في الآونة الأخيرة، أطلّ علينا هذا المفكّر الأردني، الذي يمتلك مكانة مرموقة تجاور ما لأمثاله وأقرانه من شوامخ الفكر العربي المعاصر، مثل محمد عابد الجابري ومحمد أركون وجورج طرابيشي وغيرهم، بكتب تتجاوز القراءة التحليلية للتراث والفكر الإسلامي وروافده المختلفة. إذ انتقل إلى إطار تقديم خطاب إسلامي جديد، يحمل إجابات جريئة وحلولا إبداعية للإشكاليات التي تواجه المشهد السياسي العربي اليوم، وفي مقدّمتها الصراع العلماني-الإسلامي، وإشكالية الصعود السلفي، وتفشّي الأصولية والتطرّف.
الخيوط الأولى بدأت مع كتابه "الطريق إلى المستقبل". ثم تجلّت رؤيته في كتابه "الخلاص النهائي: مقالة في وعود الإسلاميين والعلمانيين والليبراليين"؛ وهو الكتاب الذي شرَّح فيه وفكّك الرؤى السياسية للإسلاميين والعلمانيين والليبراليين، وقدّم إطاراً جامعاً ممكناً، بل هو الأفضل للمستقبل، يجمع ما بين الإسلام المنفتح المقاصدي، والعلمانية الجزئية التي تعترف بأدوار الدين في المجال العام وتُقنّنها، والليبرالية الاجتماعية الناعمة، التي تُعلي من أهمية الطبقة الوسطى وحمايتها. وأثبت إمكانية الوقوف، بل ضرورته، على هذه الأرضية المشتركة، بوصفها المفتاح الذهبي لولوج العصر القادم، والخروج من "أزمة الهوية" التي تعاني منها مجتمعاتنا العربية.
أمّا في كتابه الأخير "تحرير الإسلام"، فيستأنف جدعان المهمّة الفكرية (ذات الأبعاد الاجتماعية والسياسية)، عبر التأكيد على ضرورة تحرير الإسلام نفسه من قيود غير مبرّرة وغير صحيحة، ومن صورة مشوّهة نجمت عن ربط متعسّف بينه وبين الأيديولوجيات السياسية الإسلامية الراهنة؛ بينما ما يمكن أن يقدّمه الإسلام، مقاصدياً وسياسياً وفكرياً، هو أهم بكثير من اعتقاله بهذه "القيود".
يراهن مفكرنا في "تحرير الإسلام" على أنّ القيم الدينية (الإسلامية) لا تتناقض مع القيم الإنسانية المشتركة العليا. والخلاصة الجوهرية التي يدافع عنها عبر فصول الكتاب، تتمثل في أنّ "الدولة العادلة هي دولة تجد فيها الغائيات الدينية العليا". وما يريد أن يصل إليه جدعان، هو ضرورة تبنّي هذا المنظور في رؤيتنا الإسلامية لمفهوم الدولة وطبيعتها.
يدرك جدعان أنّه يكتب في زمن التحولات والأسئلة الكبرى، وفي ذروة الصراع بين التيارات الإسلامية والعلمانية والليبرالية، والسجال المحتدم حول مفهوم الدولة المدنية والدينية. لذلك، هو يحرص على أن يقدّم رسائله الفكرية حول الإسلام والسياسة والمرأة وشيوخ الفضائيات والتلبس بالخرافات، والحداثة والحرية والعدالة والديمقراطية، من منظور إسلامي منفتح معتدل عقلاني.
لست بصدد تقديم قراءة في كتاب جدعان الجديد "تحرير الإسلام"، إذ أوفّر ذلك لمساحة واسعة قريباً. لكن هذه الإشارات تهدف إلى تفسير السؤال الذي بدأت به المقال: كيف نفرّط بهذه القامة الفكرية، وما يمكن أن تقدّمه على صعيد الفلسفة الوطنية والإعلام والثقافة وفي الأوساط الأكاديمية، ونحن نعاني من صعود التطرف الديني، وفقداننا لفلسفة تؤطّر رؤيتنا للمجتمع والدولة تزاوج بين الرؤية الإسلامية الحضارية المنفتحة، والحداثة والتطوّر، ونحن نرى الانهيار في قيم الشباب والفراغ الفكري والروحي؟!.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد