مع كل الأسى والحزن والتضامن الذي نحمله نحن الاردنيين تجاه الاشقاء من حولنا في فلسطين ولبنان والعراق، ومع دعائنا الى الله تعالى ان يخلص كل هذه الشعوب والدول من المحن التي تعيشها، سواء أكان سببها احتلالا وانتهاك سيادة او فتنة طائفية او اقتتال ميليشيات او تفجيرات، مع كل هذا، فإننا نحمد الله تعالى ونشكره على نعمة الامن والامان والاستقرار الذي ننعم بها في محيط تعيش العديد من دوله الفوضى والقتل وانتهاك الحرمات.
هذه النعمة الكبيرة يزداد الاحساس بها وبقيمتها ونحن ننظر الى فتنة غزة، حيث الموت في كل مكان بأيدي المناضلين المتقاعدين، الذين تركوا الاحتلال وتفرغوا للاقتتال الداخلي. ويتعمق الايمان والقناعة بأننا في ألف خير ونحن نشاهد العراق الذي اهدر الاحتلال سيادته وأمنه، ثم دخل -بفعل انحراف بعض فئاته وتدخل خارجي- الى الفتنة الطائفية، بحيث صار الموت يكمن في كل مكان، فلا يأمن الانسان على نفسه او على اطفاله وعائلته من الموت في اي مكان.
اما الاشقاء في لبنان، فقد دخلوا عبر العقود الاخيرة في متاهات الحرب الاهلية، والاحتلال الصهيوني، وهيمنة بعض الاشقاء، ثم الفوضى والتفجيرات والاغتيالات، وحرب اجهزة المخابرات العدوة والصديقة والشقيقة.
ولا يكفي ان نشعر نحن الاردنيون بنعمة الأمن العظيمة، بل يجب ان نكون جميعاً وقوداً لمسيرة الحفاظ على هذا الاستقرار. وهنا لا اتحدث فقط عن دور الاجهزة الامنية، لكن جذر الامن والاستقرار هو المحافظة على فكرة الدولة واحترامها، الدولة كمحطة ومرجعية للجميع؛ فلا استقواء على الدولة، ولا ولاء إلا للارض والسيادة والقانون، والتعامل مع الوطن باعتباره قيمة اخلاقية ومعنوية ودينية، وليس أرضا للاستعمال لغايات العمل والعيش، او مساحة لا تختلف عن المناطق الحرة، يتم تقويم مكانتها بما يتحقق فيها من ارباح او امتيازات.
عندما يتمعن احدنا برائحة الموت المنتشرة في مدارس وشوارع ومطاعم وبيوت الاشقاء في غزة ولبنان والعراق، يدرك معنى ان يمشي في الشارع من دون ان يخاف انفجار قنبلة حوله، او تطاير اشلائه من بندقية قناص، او من اقتتال تتطاير قذائفه من أسطح المباني. ويدرك، ايضاً، معنى ان يكون الابن في مدرسته آمناً، وأن يعود الى بيته مشياً او في الباص من دون الخوف من أن يعود جثة او اشلاءً.
وقال المثل قديماً "الصحة تاج على رؤوس الاصحاء لا يراه الا المرضى"، والأمن ايضاً تاج ونعمة وروح في حياتنا، لا يراه الا من فقده. ولهذا، يهرب الانسان من وطنه ومعه ملايين الدولارات، لأن المال لا قيمة له اذا غاب الأمن.
من ابتلاهم الله بفقدان الأمن والاستقرار، سمحوا لبعضهم إما بجلب الاحتلال وفتح الابواب له، او صمتوا عمن اصبحت البندقية عنده هي القانون، فضاعت الدولة، وأصبحت البلاد دولاً كل منها بحجم سلاح كل جهة، او ظهر منهم من استقوى على الدولة وجعل مكاسبه ونفوذه ينمو على حساب حجم الدولة وهيبتها.
اياً كانت نقاط الخلاف، واياً كانت القضايا التي لا نتوافق عليها، فإننا في هذه المنطقة العاصفة، والعبث الذي لا ينتهي من كل الجهات وفي كل الساحات، يفترض بنا نحن الاردنيين ان نقفز عن كل الصغائر، وأن تكون محصلة عملنا ان الدولة هي اسرتنا، وانه لا تهاون مع اي جهد مهما كان صغيراً يمكن ان يكون سبباً في اضعاف الدولة. وهنا لا اتحدث عن الحكومات، بل عن الوطن ودستوره وقانونه. فهذا الاردن محسود على امنه واستقراره، وشعوب كثيرة تتمنى أن تنعم بما أعطاه الله للأردنيين من استقرار واطمئنان.
الأمن ليس رجل شرطة او جهاز أمن او بندقية، بل مواطن يؤمن بوطنه وأرضه، ويرى ان هذا الوطن هو خياره الوحيد؛ مواطن يتكلم بلغة واحدة مع وطنه، يعطي بصدق، ويصبر على ضعف الإمكانات. ولعل ما هو مهم هو النخب والقوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومدى صدقها مع وطنها وحرصها عليه، ومرة اخرى ان لا تقوّم قيمة بلدها بما تحصل عليه من مكاسب، فنظام التعامل مع البورصة يختلف تماماً عن التعامل مع الأوطان.

المراجع

الموسوعة الرقمية العربية

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية