احياناً، يتوقف أحدنا عند جدوى العمليات الانتخابية في البلديات او العمل النيابي. إذ نشاهد حالة التوتر السياسي، والتعبئة والجهد الذي يتم بذله سياسياً من الحكومات او القوى السياسية المشاركة، فيقفز الى الذهن سؤال: ما هو المردود السياسي الذي يحققه حزب من المشاركة في انتخابات بلدية، ينفق خلالها اموالاً، ويخوض كولسات وصراعا سياسيا، ويقوم بتعبئة نفسه والناس، حتى يفوز برئاسة بلدية ذات موازنة محدودة، ومديونية كبيرة، واعداد ضخمة من الموظفين يستنزفون اكثر من نصف الموازنة؛ اما عمل البلدية فهو تنظيف الشوارع، وملاحقة اصحاب البسطات، واصدار رخص بناء، وطبعاً يحول عجز الموازنة دون اقامة اي مشاريع معقولة؟
والمواطن الذي ينتخب المجلس سيمارس في كل حين تذمرا وشكوى، وربما شتيمة، بحق رئيس البلدية ومن جاء به! فكلما مر على حفرة في شارع، او حاوية نفايات مقلوبة، او مطب رديء الصناعة، او اشارة ضوئية، تذمر وشكا وشتم، وتمضي السنوات والامور كما هي.
في ظل هكذا اجواء وظروف، ما هي الرسالة التي يمكن ان يحققها اي حزب، او ما هي الافكار التي ينشرها، وما الفرق بين رئيس بلدية حزبي او مستقل او محسوب على الدولة، الا المواصفات الشخصية والتنزه عن الفساد؟ لكن المحصلة إلى اين يتجه ميزان الارباح والخسائر، بخاصة اذا كانت الاسس التي يتم فيها فرز المرشح الحزبي او العشائري متقاربة، ولا تعبر عن منهجية متكاملة من الموضوعية؟
اذكر، قبل سنوات طويلة، ان احد رؤساء البلديات من الاسلاميين زار تركيا يوم كان اردوغان رئيساً لبلدية انقرة، وكانت بلديته بموازنة حوالي 5 او 6 ملايين دينار، فيما كانت موازنة انقرة بالبلايين، إضافة إلى قدراتها الاستثمارية وصلاحياتها. فعاد محبطاً ساخراً؛ فبلدية مثل انقرة او اقل منها تستحق معارك سياسية، واستنزافا لبنية التنظيمات، وتوترا مع الحكومات. وكذلك الحال بالنسبة للحكومات التي تتعامل بتوتر وحسابات، وكأن من سيفوز برئاسة بلدية سيحكم العالم، وليس موظفاً سيغرق في مشاكل زفتة الشوارع، وجمع القمامة، وسيكون مشغولاً بتأمين الرواتب مع نهاية كل شهر!
الامر المثالي هو ان تكون كل انتخابات عملية ديمقراطية، ومجالا لتنافس البرامج والرموز؛ لكن ما يجري لدينا امور عادية: مواقع مردودها السياسي محدود. فحتى لو فازت قوى المعارضة، مثلاً، برئاسة عشرين بلدية، فسيستغرق الامر اسبوعا او شهراً من التحليلات والاخبار، ثم يغرق هؤلاء في حل مشاكل الشوارع، ونقص الحاويات، ونقل الموظفين، وواسطات التعيين. وعندما نتوقف عند هذه الحال، نجد انه لا مبرر للتوتر السياسي داخل الحكومة، او داخل اي حزب، او بين الحكومة ومعارضيها، ولا حتى بين العشائر والقوى الاجتماعية.
الامر ينطبق بشكل اقل على مجلس النواب. فمع كل انتخابات هنالك توتر سياسي، وضجيج، وصراع وحسابات، وتقارير واجتماعات؛ لكن تجاربنا كأردنيين تؤكد لنا ان الامر سياسياً لا يستحق معظم ما يتم لأجله. فقبل الانتخابات يتحدث مرشحو القوى السياسية عن قضايا وافكار ومواقف، وتقوم الحكومات بحسابات لمن يفوز؛ وداخل الاحزاب كولسات، واحياناً مؤامرات لترشيح فلان واستبعاد علان. وتنتهي الانتخابات، ويشاهد الناس نوابا سياسيين من احزاب فاعلة او عادية، او نوابا مستقلين، لكن محصلة الاداء عادية. وقد يختلف الامر في جلسات الثقة والموازنة، لكنه "حكي"، فكل ما يجري داخل البرلمان لا يغير في الواقع السياسي شيئاً.
وما اريد قوله اننا نقدم ضجيجاً وصخباً، وصراعات وتوتراً وتراشقاً اعلامياً وسياسياً، واثماناً كبيرة مقابل بضاعة عادية او اقل من عادية سياسياً.
اجتماعياً تبدو الامور مبررة اكثر؛ فمن يبحث عن وجاهة وزعامة شخصية، او مقعد لعشيرة في بلدية او برلمان، يمارس اموراً تبدو اثمانها متواضعة ومنسجمة مع المحصلة، لكن عندما يتم دخول الانتخابات بشعارات التغيير والاصلاح، واقتلاع الفساد، وتغيير شكل المجتمع، ثم تكون المحصلة اعمالاً اجرائية خالية من كل هذه الشعارات، فالامر مختلف.
مرة اخرى، الشيء الايجابي ان يكون للبعد السياسي في العمليات الديمقراطية حضور حقيقي، لكن ما دمنا في واقع آخر، فلنكن اكثر هدوءاً واقل توتراً. ففوز رئيس بلدية في مدينة او اكثر، ليكون غارقاً في المديونية والمطبات، لا يستحق ازمات وكولسات وحسابات. وحتى فوز نائب متواضع المستوى ومتواضع الدور، ليس مدعاة لدفع اثمان سياسية، او شحن الاجواء؛ فليس انجازاً فوز رئيس بلدية معارض، وليس انجازاً ايضاً ان يفوز آخر موال للحكومة؛ فالمحصلة تقريباً واحدة، باستثناء مواصفات شخصية.

المراجع

الموسوعة الرقمية العربية

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية