اليوم، تنعقد قمة رباعية من ثلاثة اطراف عربية هي مصر والاردن والسلطة الفلسطينية مع الطرف الاسرائيلي. وهي قمة ربما تأتي في مرحلة اصعب من غيرها، كونها جاءت بعد الانقسام السياسي والجغرافي داخل السلطة بين فتح وحماس. ولهذا، قد يذهب البعض الى تفسير سياسي بأنها قمة تأتي لمناقشة الوضع بعد ما حدث في غزة، او بأنها قمة مواجهة حماس.
وأيا كانت نوايا الآخرين، فإننا في الاردن لسنا معنيين بخوض المعارك الفلسطينية الداخلية. ولو كان هذا الخيار اردنيا، لكان الاصطفاف مبكرا. وأفرق هنا بين موقف اردني اقرب الى موقف السلطة، باعتبارهما من الاطراف المؤمنة بالتسوية والساعية إلى دفع مسيرة التسوية وعملية المفاوضات، وبين موقف يصطف فيه الاردن عسكريا واقتصاديا الى جانب اي طرف فلسطيني.
لا يذهب الاردن الى شرم الشيخ ليفكر مع اسرائيل والسلطة في خيارات الحصار على الشعب الفلسطيني في غزة، او صنع واقع اقتصادي وعسكري يغيّر واقع غزة بعد الاحداث؛ لأن الفلسطينيين من وجهة نظرنا كلهم شعب شقيق يعاني من الحصار والاحتلال. واذا كان هنالك موقف رسمي يدعم السلطة سياسيا، فإنه ليس هنالك موقف رسمي او شعبي يقبل او يمارس اي فعل يلحق ضررا اضافيا بالشعب الفلسطيني. ولعل الرسالة الاردنية كانت واضحة بإرسال المساعدات الانسانية والغذائية الى غزة بعد ان سيطرت حماس عليها، والرسالة هي ان الموقف الاردني لا يتفق مع حماس ويؤيد السلطة، لكن ليس هنالك اردني، مواطن او مسؤول، يقبل ان ندخل في حلف مع اسرائيل لضرب واستهداف اي جزء من مفردات الشعب الفلسطيني.
ليس جديداً او مدعاة للدهشة ان هنالك تنسيقا اردنيا مصريا مع اطراف عربية اخرى في محاولة لدعم التسوية، وإيجاد حلول سياسية للصراع العربي-الاسرائيلي، فهذا نهج البلدين ومعهما السلطة، بل ومعهما القمة العربية التي كلفت الاردن ومصر الاتصال بإسرائيل لبحث مبادرة السلام العربية. ولهذا، فمعارضة قمة شرم الشيخ على قاعدة الرفض المبدئي للتسوية امر متوقع ممن يرفض التسوية، لكن الحديث عن قمة شرم الشيخ باعتبارها اجتماعا تآمريا، وحلفا على الشعب الفلسطيني في غزة، هو امر مختلف.
وهنا، اشير الى ان اسرائيل تتمنى، بل وتعمل على ضرب كل الشعب، سواء في غزة او في الضفة، وتتمنى ان تكون قمة شرم الشيخ حلفا شيطانيا لشن حرب على غزة واجتثاث حماس؛ كما ان رئاسة السلطة معنية بحصد كل اشكال الدعم لمواجهة حماس ونزعها من غزة، لكن هذا لا يعني اننا كأردنيين معنيون بهذا، لأن المصلحة الاردنية ستبقى دائماً في اقامة دولة فلسطينية كاملة الاستقلال والسيادة، فهذا الحل هو الذي يؤمن المصالح الاردنية العليا، والاستقرار والأمن. وسواء كان الموقف الرسمي اليوم متفقا مع ابو مازن ومختلفاً مع حماس أم لا، فإن المحصلة والمصلحة في ان تستقر السلطة، وتذهب باتجاه الدولة المستقلة.
ولعل كل متابع للسياسة الاردنية، منذ عقود، يدرك ان هنالك محاولات لم تتوقف لاغتنام كل الفرص لاستئناف عملية المفاوضات، وهذا الذي سيحدث اليوم. ونسمع من المسؤولين احاديث عن مطالب محددة سيتقدم بها الاردن للطرف الاسرائيلي حول تفاصيل التفاوض، وجداول زمنية، والتزام بما تم الاتفاق عليه. والقمة بالنسبة للاردن -كما يقول المسؤولون- محاولة لاستثمار الواقع لإحياء عملية التفاوض. طبعا، هذه المحاولات ليست الاولى، وقد تكرر اسرائيل ما فعلته كثيراً جداً من مماطلة وقفز عن كل المطالب العربية، ومحاولة تقديم استجابات شكلية او بسيطة مثلما فعلت أمس، حين تحدثت عن افراج عن اموال فلسطينية محتجزة منذ سنوات، وهو قرار ظهر وكأنه دعم لعباس في مواجهة حماس؛ أي أن الطرف الاسرائيلي لم يتغير ولم يتحول الى ملاك او طرف محب للسلام، لكن هنالك اصرار على مزيد من المحاولات من الاردن ومصر، بل ومن كل الدول العربية التي اعتمدت الخيار السياسي باعتمادها مبادرة السلام العربية في قمة الرياض الاخيرة.
قد نجد من لديه تفاؤل بإمكانية تأثير القمة على عملية السلام، وسنجد كثيرين متشائمين بحكم التجربة الطويلة مع الطرف الاسرائيلي، وليس هناك ما يمنع، بل هو مؤكد، ان تحاول اسرائيل استغلال القمة لتحقيق مصالحها، وعلى رأسها تعزيز الانقسام الفلسطيني، لكن ما يعنينا اننا في الاردن لا نتعامل مع القمة على قاعدة انها حلف للحرب على غزة، او لاستهداف الشعب الفلسطيني، والتأييد السياسي الرسمي للسلطة لن يتجاوز الحدود ليكون الاردن طرفا في الحرب الداخلية، او جزءاً من اي فعل يحاصر فلسطينيا او يعزز المصلحة الاسرائيلية التي قدم الاقتتال الفلسطيني لها خدمات لم تحلم بها اسرائيل، بل وأكبر مما ستحققه اسرائيل من قمة شرم الشيخ.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة