انتهينا في مقال يوم أمس إلى الحديث عن تنامي التيار السلفي الجهادي في الأردن، خلال الأعوام الأخيرة. ومن الواضح أنّنا نتحدث عن بضعة آلاف من الشباب، منتشرين في محافظات المملكة المختلفة؛ السلط ومعان وأحياء عمان الشرقية وبعض المخيمات، وأخيراً تصاعد هذا الحضور في محافظات الشمال. لكن، تبقى كلّ من الزرقاء والرصيفة بمثابة "الخزّان البشري" لهذا التيار.
الهاجس الأمني الرسمي، كما يتبدّى في نقاش المسؤولين، هو من تأثير الأزمة السورية، وحالة الفوضى المرتبطة بالصراع. وهي الأزمة المتوقع لها أن تستمر، وتتزايد معها التهديدات والتحديات للأمن الوطني الأردني.
والمغيّب عن الهاجس الرسمي، تماماً، هو تنامي التيار داخلياً، وانضمام أعداد كبيرة من الشباب إليه، مع نسبة جيدة منهم في الجامعات، وبعضهم يحملون الشهادات المهنية، وآخرون يعانون من البطالة والفقر والحرمان. لكنّ العامل الاقتصادي ليس الوحيد الذي يفسّر صعود التيار، فهناك العاملان السياسي والثقافي، تحت وطأة الإحباط وخيبة الأمل وانسداد الآفاق السياسية أمام التغييرات النوعية، التي ترمي الكرة في ملعب المجتمعات، وتجعلها مسؤولة بدرجة واضحة عن خياراتها السياسية!
قامت الحكومة بإجراء تعديلات على قانون مكافحة الإرهاب، فأدخلت عليه بنوداً مرتبطة بالحالة السورية والترويج للقتال هناك، والتجنيد والانضمام إلى مجموعات مصنّفة إرهابية. وهو توجه فيه جانب قانوني مهم، وعليه بعض الملاحظات؛ إلاّ أنّه بالضرورة ليس كافياً ولا رادعاً لهذا الجيل من الشباب الذي يذهب لمواجهة الموت هناك، وتنفيذ العمليات الانتحارية، وبالتالي فإنه لن يقف مرعوباً من قانون جديد!
ذلك يتطلب قراءة معمّقة لأسباب الصعود وآليات التجنيد وسياق الخطاب، من قبل المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني؛ وإعادة النظر في الاعتماد على "المقاربة الأمنية"، التي وإن ساعدت الدولة، كثيراً، خلال العقود الماضية في تحجيم المخاطر وتبديدها، إلاّ أنّ هذه المقاربة ليست مكلّفة (بـ) ولا مسؤولة عن تجفيف الأسباب والشروط التي تدفع بالشباب إلى أحضان هذا المسار الأيديولوجي والسلوكي. فالمطلوب هو مقاربات سياسية وثقافية، تتجاوز الرؤية التقليدية للدولة. 
على الطرف السياسي؛ فإنّ تنامي هذا التيار يردنا إلى القاعدة الذهبية، وهي أنّنا كلما ضيّقنا الخناق على التيار المعتدل وأبعدناه عن العملية السياسية، وأقصيناه، استفاد واستثمر في ذلك الوجه الآخر للإسلام السياسي (أي الجهاديون).
في السياق، ثمّة ملاحظة مهمة، وهي أنّ هناك صفّاً قيادياً جديداً مهماً لديه تأثير ملحوظ على أبناء التيار، شخصياته وإن لم تكن جميعها بالضرورة في التيار، إلاّ أنّها مؤثرة ومهمة. وتتوافق هذه الشخصيات مع المقدسي وأبي قتادة الفلسطيني على مبدأ "سلمية الدعوة" في الأردن. وهو مبدأ مهم جداً، كفيل في حال تمّ تطويره وترويجه، بتشكيل جدار حماية مهم، بوجود فتوى شرعية تحرّم العنف في الأردن.
ويبقى العنوان الأهم هو العنوان الثقافي، ويتمثّل في الاشتباك فكرياً وإعلامياً مع هذا التيار، وتصعيد وإنضاج دعاة ومثقفين وسياسيين لديهم القدرة على تفكيك الخطاب ونقده، وبناء رؤية نقدية تساهم في دفع بعض المؤثرين فيه إلى مزيد من المراجعات والاعتدال. وبما يقوّي المناخ الثقافي، ليجد الشباب خطاباً بديلاً ونقدياً وإصلاحياً. وهي الطريق الأكثر صعوبة من الإقصاء والإبعاد، لكنّها الأكثر نجاعة وتأثيراً وفعالية. 
علينا إعادة التفكير في التعامل مع هذا التيار؛ بتجاوز الحدّ من خطورته أمنياً، إلى بناء شبكات حماية لأبنائنا وشبابنا من التحول نحو هذا المسار، سواء في الداخل أو حتى في الخارج، وأن نملأ الفراغ بتقديم الخطاب البديل سياسياً وثقافياً.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد