حينما تنظر الى السماء صباحا وتراها بكل هذا الشحوب الخريفي الموجع تغلف الارض كقبعة معدنية صارمة تخلو من الحنو والرأفة وتهرب من المشهد نحو الشمس فتبدو لك كبيضة فاسدة مترجرجة في كبد السماء.
وحينما تحاول ان تندغم في قوتك اليومي على تنوع مشاربه فتراه يهرب من رتابته التي تعبت كثيراً في ترويضها لتشعر ان العمل الذي تقوم به ما هو الا اضافة حقيقية لمجمل الحماقات الحياتية التي تقوم بها دون ان تشعر باي نوع من المتعة.
وحينما تذهب الى الاصدقاء باحثاً فيهم عن تلك الهمة التي تعودت ان تأخذها من اطلالتهم فلا ترى الا الخراب والبهوت ورغبة في الانسحاب منك ومن ذاكرتك ومن ذاك الطيش الجميل والمشاغب الذي كان يميز صهيل جلساتهم ، وتصير مصافحتهم هي محض ملاصقة لحميمية باردة تفتقر فعلاً الى تلك التي ظلت تميزهم.
وحينما تذهب الى مكتبتك وترى كل هذا الاصطفاف الصارم للكتب على رفوفها ةتتذكر حمقك القرائي وتلك الالحاحات في اكتشاف عوالم القراءة ودهشتها. وتشعر ان كل هذا ماهو الا حالة من التجشؤ الحبري الذي يسيح في رؤوس الناس دون ان يفعل فعلته المعرفية التي يمكن رؤيتها بالعين المجردة. وان الكتابة محض حبر ينام في الورق.
حينما تقبل على بيتك وتقف وكأنك تراه للمرة الاولى وترى اطفالك وكأنهم العاب معدنية معبأة بالضجة والرنين الطفولي المفجع المدجج بحضور الكمبيوتر والفضائيات واجهزة الخلوي وغابة الاجهزة الكهربائية وتصاب بالرعب من معانقتهم بذات الطعم البلاستيكي.
حينما يأخذك المشي الى الشوارع الفرعية وترى كل هذا الاحتفاء الشجري بخطواتك وتسمع ايقاع هذه الخطوات يهدك الفراغ الاسفلتي وغابات الكونكريت والحجارة المكحلة والشرفات الفارغة والنوافذ الصارمة التي تبدو وكأنها اغلقت للأبد.
حينما يجفل جسدك من هذا التنوع العجيب في الاغنيات والموسيقى وتشعر انها كالمطارق الثقيلة تنهال على رأسك وتنزع من روحك تلك الرغبة في الذهاب الى الموسيقى بتلك الاذن التي كانت تقودك نحو حقول من الدهشة.
حينما تمد يدك البشرية العزلاء الا من المحبة في فراغ الكون وتبدو كالمستغيث من كل هذه الاختناقات المتتالية.
حينما يحدث معك كل ذلك ، عليك أن تعي أن الحرب قادمة لا محالة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور