اذكر انني وحينما قدمت شهادة ابداعية عن حياتي الكتابية والمعيشة بشكل خاص في مطلع التسعينيات انني تطرقت الى مدرستي ، التي قلت عنها حرفياً "ومازلت كلما امر من امام مبنى مدرستي الاعدادية احس باني امر من امام معتقل صغير" ، ففي هذه المدرسة كنّا نتلقى انواع مختلفة من العقوبات مثل ان يجعلك المعلم تدير ظهرك للطلاب وتقف على رجل واحدة لمدة تزيد عن النصف ساعة. أو ان يطلب منك المعلم في الصباحات الباردة ولا ادري لماذا كانت تصادف يوم سبت بأن تقلب اصابع يدك كي يضربك بالحفة المعدنية لمسطرة درس الهندسة. او ان يضيق بك المعلم ذرعاً ويذهب بك الى المدير الذي يغلق باب الغرفة ويبدأ بضربك بطريقة عشوائية وحينما يهلك ويتعب يصيح بك اذهب واحضر لي ولي أمرك. وحينما يحدث هذا وترى نفسك في الشارع كنت تبحث عن تأليف مظاهرة لتقودها الى مدرستك كي تهتف في وجه مدير المدرسة "فلسطين عربية".
وفي هذه المدرسة كنا نصطدم نحن الذين اكتشفنا رائحة عرق اجسدنا للتو وتميز ملامحنا التي كانت تقترب من بوابة الرجولة ان المعلم يستطيع ان يقوض روحك ويجعلك تشعر طوال حصص البث المدرسي انك حشرة يمكن محقها وهرسها في اية لحظة. وهذا ما كان يقودنا الى الامعان في ممارسة الشقاوات الخارقة للمألوف. وربما هذا ما كان يجعلنا نواظب على الاستماع للاغاني والذهاب الى دور السينما والجلوس في المقاهي ولعب الورق فيها وشرب النارجيلة.
وفي هذه المدرسة تم تصنيفي كـ"أزعر" و"وقح" كما كان يحلو لمدير مدرستي تلك ان ينطقها وهو ينظر اليّ بحقد تربوي مازلت اعاني من طعمه.
وحينما كبرنا وتبدلت الايام وشاءت الصدفة ان التقي بمديري عند احد الاصدقاء وقف وصافحني وهو يعبر عن اندهاشه التربوي ذاته وهو يقول "قد أصدق كل شيء يا خليل الا أن تكون مؤلفاً وكاتباً". وكان عليّ ان ارد عليه لحظتها ببديهتي المعهودة "هذا يا استاذ ما يؤكد على فشلك التربوي".
تسابقت هذه التداعيات عن مدرستي الاعدادية في حضورها امامي صباح الاول من أمس وأنا أرى صورة ظهر الفتى والطالب الاردني المجرح بضربات مدير مدرسته الذي اختار "الكيبل الكهربائي" كأداة للتربية والتعليم والتوجيه.
وكان عليّ ان اتحسر على زمننا هذا الذي ما زالت فيه المدرسة تشبه وحشية المعتقل الى حد كبير.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور