استوقفني تعليق من احد القراء من المسيحيين العرب على مقال للزميل ياسر ابوهلالة حول المسيحيين في غزة، وملاحظة القارئ تطالب الجميع بالتوقف عن استخدام مصطلح "الاقلية المسيحية" عند الحديث عن اي مجتمع عربي، وهي ملاحظة تستحق التقدير وبخاصة ان الحديث ليس عن عدد المسيحيين في مصر او الاردن او فلسطين بل عن دور ومواقف.
فمصطلح الاقلية يصلح فقط اذا كنا في حالة احصاء وهي حالة دراسة علمية، اما في مسار الدول والمجتمعات فان المسيحيين العرب لا يتم تصنيف مواقفهم ودورهم بميزان منفصل، وكأنهم خارج مجتمعهم او دولتهم، لان الاسرة الواحدة ليس فيها اقلية واكثرية الا اذا كانت خاضعة للتقسيم والتجزئة، لكن المجتمعات والدول لا يتم تقسيم البيت فيها الى اقلية واكثرية.
طبعاً ندرك ان استخدام مصطلح الاقلية في عالمنا العربي ليس ناتجاً عن نوايا سيئة، بل هي مصطلحات مستعملة، لكن ما تذهب اليه منطقتنا من استهداف لوحدتها من قبل اعدائها او بجهل بعض ابنائها ربما يفرض علينا اعادة النظر ببعض المصطلحات، بل والتخلي التام عن نظام المحاصصة و(العد) في المواقع، بل ان نظام الكوتات يفترض ان ينتهي الاّ اذا كان هو الطريق الوحيد لضمان التمثيل.
عوامل التجزئة، في واقعنا العربي، سنجد تفاصيل دقيقة عنها، فلم يعد الامر سنة وشيعة في العراق مثلاً، بل هناك تقسيم داخل السنة واخر داخل الشيعة واخر داخل المسيحيين. وفي فلسطين انقسم الحال السياسي بين غزة والضفة، وفي لبنان هنالك تقسيم على اكثر من مسار، تقسيم طائفي، وآخر سياسي طائفي، وآخر حسب المحاور السياسية الاقليمية، وبعض الجهات الدولية اذا ارادت (العبث) بدولة اصدرت تقريراً حول الحرية الدينية ليس للمسيحيين من اقباط وغيرهم، بل حتى لمجموعات دينية شبه منقرضة.
وربما ليس فقط ما يحتاج الى مراجعة هو مصطلح الاقلية المسيحية، بل حتى ذلك الحديث الذي يتم بحسن نية عن دور المسيحيين في العراق وفي اي دولة، وربما علينا ان نذهب الى التخلص من اي مصطلحات تسجل ولو نظرياً حالة تجزئة. فمثلاً نحن في الاردن لا نحتاج الى ادلة لنؤكد على الدور الوطني والعربي للاردنيين من المسيحيين، ولهذا فهم ليسوا مسيحيين اردنيين او اقلية مسيحية بل هم ابناء مادبا او السلط او الكرك او اربد، فلا حاجة لنتحدث عن دور وطني لعشيرة مسيحية مثل المعشر او حدادين او الحجازين لنقول ان الاقلية المسيحية ذات دور وطني وقومي, فأبناء عشيرة الحجازين والهلسة هم جزء من محافظة الكرك وليسوا اقلية مسيحية في الكرك، وهذا الامر ينطبق على كل عشائرنا الاردنية من المسيحيين في الوسط والشمال والجنوب، كما هو في الحال في اي مجتمع عربي آخر.
نقول هذا لاننا اذا دخلنا في اطار البحث عن دور وطني لـ"الأقلية" المسيحية فعلينا ان نبحث عن ذات الدور لـ"الأكثرية!" المسلمة في اي مجتمع عربي، لكن الاصل ان المسيحي والمسلم هو ابن محافظته ومدينته او اقليمه وبشكل اوسع هو ابن بلده. فالعلاقة ليست قائمة على معلومات احصائية، والتجارب المريرة التي نشاهدها في اقليمنا العربي اكدت لنا ان عمليات التقسيم تبدأ ولا تنتهي، فالعراق ليس بعيداً عن اي قطر عربي.
المسيحيون في بلادنا ليسوا اقلية والمسلمون ليسوا اكثرية. فالجميع هم المجتمع. داخل البيت الواحد لا يقال ان الاب وطني تم نبحث عن الدور الوطني للام او الابن؛ فالجميع بمثابة بيت واحد.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة