الموظف الذي قادتني المعاملة الى دائرته الحكومية صباح امس وأطل عليّ بملامحه التي تشبه "كوز" الصبر وتناول مني المعاملة ونهرني بصوت حكومي كي اتراجع للوراء بانتظار مطالعته للمعاملة قادني الى حالة من التأمل في الشخصية العربية التي تقوم بكل مهامها الحياتية دونما اي رغبة او تفاعل ايجابي مع مهمته بل بنوع من الواجبية التي تستله من رحم امه وتظل تلاحقه حتى تستطيل جثته في اللحد.
نعم ان المواطن العربي الذي قدم عنقه للاعراف والتقاليد والواجبات الدهرية المزمنة فقدَ في وقت مبكر خياراته الحرة التي تجعل حياته تتسم بالجمال الخلاق والمتفاعل. فهو على الاغلب لا ينعم بتلك الروح الحرة والوثابة في اعماقه تلك الروح التي تفجر امكانياته وتعبقر نتاجاته الحياتية.
فهو في البدء اسير العائلة ومستواها الطبقي الذي يملي شروطاً تجعل منه يوافق طواعية على اي مقترح عائلي يخص حياته ومستقبله. ولهذا فان مجتمعاتنا تنتج الطالب الذي يكره المدرسة اصلا ، ويكره تخصصه الجامعي الذي جعل العائلة تضع الذي فوقها وتحتها كي تتزين به اجتماعياً. وهو وضمن الواجبية المفتوحة عليه ان يدخل القفص الزوجي لان من الواجب عليه وهو الذي استطاع الباءة ان يتزوج ويستر ابنة الحلال. ليقوم بعد ذلك بتحويل مساحة بيت الزوجية الى جحيم لايطاق. وهو يمارس ابوية قامعة على الزوجة والابناء بدافع الواجبية الاجتماعية ايضاً.
وبما ان الواجبية التي هي في الاصل ليست خيارنا الرئيس بل معتقلنا الابدي الذي يظل يأسرنا بالواجبات مهما كان ثمنها كي نسدد فواتيرها في كل مسلك حياتي نعيشه هي التي تقودنا الى ممارسة احلام اليقظة في التعامل مع الحياة والباسها الرغبات المدججة بالامنيات.
والواجبية هذه هي التي تجعلنا نحيل كل طموحاتنا الحياتية الى منطقة التجريد. ذاك التجريد الذي ينهب منّا كل مايمكن ان نحققه ونراه بالعين المجردة ونمسك به فيزيائياً.
ان يعيش الواحد منّا طوال حياته وهو في المساحة الضيقة لمرمى الحياة وهو يتلقى كل هذه الركلات الترجيحية الموجعة سببه في الاصل هذه الواجبية التي سيدناها فوق رؤوسنا بينما هي في الواقع محض هراء سوف تتداعى وتتزلزل لحظة نهوضنا الحضاري الحقيقي فيما نرغب وفيما نريد.
كنت اود ان اقول للموظف الذي اعطاني المعاملة بنوع من التقزز الوظيفي المدرب"من اجبرك على عمل لا تحبه ولا تطيقه" لكن الواجب قادني الى الخروج من الدائرة الحكومية كي اسدد باقي فواتيره اليومية.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور