تدخل سرادق العزاء وتراهم يتسابقون على دعوة اهل الميت بطريقة قد تصل حد الغضب والقطيعة ان حُرم الرجل الداعي من الحصول على دعوة اهل الميت واكرامهم. وحينما يتم تفضيل اي واحد على الآخر في قبول الدعوة يحصل الحرد والغضب الذي قد يصل حد القطيعة. وتذهب في تأمل جموع المعزين فتدهش لقدوم المواسين ونهوضهم من ذاكرة علاقية مع اهل المتوفى ، كنت اعتقدت انها انتهت منذ أمد بعيد. وتصاب بالدهشة من هذه الحميمية التي تجعل البعض يقيم ثلاثة ايام في سرادق العزاء وهي مدة العزاء. كما انك تُدهش من هذه العائلة القادمة وهي تسوق الخراف والأرز والسكر لاهل المتوفى بناء على تسديد لافعال قام بها اهل الميت لهم قبل عشر سنوات او اكثر. هذا اضافة الى التسابق في نشراعلانات النعي في الصحف التي تؤكد حسرة الفقدان.

تدخل قاعة العرس وتراهم يتسابقون في الحضور وتقديم الواجب الاجتماعي للاحتفاء بالعريس واهله. كما تراهم يتسابقون في تقديم "النقوط" والذي هو عبارة عن مبلغ من المال يدسه المدعو في يد العريس لحظة المصافحة والمباركة. تراهم يدخلون قاعة العرس بوجوه مبتهجة وضاحكة وحينما تصدح الموسيقى ويتعالى صوت الايقاع تراهم ينهضون من مقاعدهم ويشبكون ايديهم في دبكات ورقصات تعبر فعلاً عن سعادة وفرح بالعرس وبالعريس ، فرحة تجعل العيون تدمع من فرط الابتهاج.

يمرض الواحد منهم ويدخل المستشفى الحكومي او الخاص فينتشر الخبر مثل النار في الهشيم وتراهم يتوافدون الى المستشفى ويولدون حالة اكتظاظ في ردهات المستشفى وهم يسألون عن رقم غرفة مريضهم وحينما يجدونه يهاجمونه بالقبل وبالمواساة وتمني الشفاء العاجل له. ومن فاتته زيارة المستشفى يعود المريض في بيته محملاً بالهدايا.

واحياناً تنعم الدولة على واحد منهم بمنصب حكومي او برتبة فيتم التسابق الملح في تقديم التهاني في الصحف على هذا المنصب الجديد.

تنظر الى المجتمع الاردني الذي مازال يتمتع بكل هذه السجايا الحميمية التي تظل تؤكد لك باننا مازلنا وما زالت الحياة بخير. وتعقد الدهشة روحك وانت تسأل عن هذه الشجارات العائلية والجرائم التي باتت علامة يومية تميز حياتنا. وتدهش ايضاً لهذا التجاور الكيميائي المعقد بين حب يقود الى تواصل وعناق وبين كره يصل حد اهدار الدم.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور