مازلت اذكر المشهد الصباحي الذي جرّح طفولتي المبكرة وأنا ارى رب العائلة يقف بجانب الشاحنة المهولة التي امتلأت بالاثاث ، وما زلت أذكر زوجته التي كانت تقف وسط الجارات وهي تغرق في نحيب الوداع عليها وعلى رحيلها. كانت هي تبكي وتتلقى كلمات الوداع وطلب المسامحة واستعراض مفاصل زمنية كانت تجمل حياتها وسط جيرانها بينما الرجل الذي كان يعمل دركياً كان ينظر للمشهد بأسى لا يخلو من الاعتيادية بسبب ما تتطلب مهنته من انتقال وتنقل.

وبصعوبة بالغة استطاع الرجل ان يسحب زوجته من يدها من بين الجارات وهن يتصايحن بعبارة واحدة"بخاطرك ياأم ادوارد" ينهر السائق وتنطلق الشاحنة.

هذا هو احد مشاهد رحيل احد الجيران التي شهدتها في مطلع ستينيات القرن الفائت. وهذا ما يجعلني أشعر بالحسرة على ذاك الزمن الجميل للجارات والجيران ، حيث كان الرجل حينما يود ان يدلل على محبته لجاره يقول "الرجل جاري الحيط بالحيط" وهذا يعني ان العلاقة الاخوية بينهما تتوطد يوما بعد يوم. وان جيران البيوت يمكن ان تتآخى ، وان الجارة وحينما يذهب زوجها كي يدق باب رزقه كانت تذهب لجارتها وتنخرط معها في احاديث شاملة في تواصل حميم ونادر. وهذا يعني ايضاً تبادل الوجبات اليومية.

وما زلت اذكر كيف ان ابي كان قد اتفق مع جارنا المزمن المرحوم ابو السعيد البلعاوي وبهدف اختصار خروج امي الى بيته او خروج زوجته الينا ان يقوما بفتح بوابة صغيرة بين البيتين كي تصير الزيارات اسهل وهذا ما جعلني اشعر اني اعيش في بيتين بيت محمد قنديل وبيت ابو السعيد البلعاوي وكان سبب ذلك الباب الصغير الذي تحول الى ممر بسيط بين البيتين نفتحه في اي وقت نشاء ونغلقه بشنكل صغير.

الآن وانا اراقب القامات الحجرية المتطاولة للبنيان حولي واشاهد الشرفات الفارغة وهذا الصمت الموجع للحدائق البيتية وفراغها الشجري والاطلالة النادرة جداً لطفل او طفلة ، وتلك العين المراقبة التي يخجل من خلالها الجيران خوفاً من الوقوع في المصافحة او حتى القاء السلام. الآن وفي هذا السكون الذي يحدثه الجيران. هذا السكون الذي يكاد يكون عدوانياً ، اتذكر حفلة وداع "ام ادوارد" الصباحية. وتلك البوابة الصغيرة التي كانت تدخلنا الى بيت جارنا.

الآن اتذكر كل هذا واصاب بما يمكن تسميته بحسرة الجيران.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور