قال لي احد الاصدقاء :إنه شاهد في احد المعارض التكنولوجية جهازاً صغيراً يكفي حينما تلصقه بجدار البيت او الشقة التي تجاورك ان تستمع الى كل مايدور في تلك الشقة حتى ادق الهمسات وان ثمنه لا يتعدى خمسة دنانير. وهذا يعني ببساطة اختفاء معايير كثيرة لها علاقة بمد العنق والهمس في الأذن بعبارة "بيني وبينك" ، مثلما يعني ايضاً غياب فكرة الوشوشة. لأن التكنولوجيا الحديثة ادخلتنا في عُري الكلام وعُري المشاهدة.

والطائرات التي بدون طيار والتي تحوم في اجوائنا ليل نهار صارت قادرة على تصوير أدق الحركات على الارض. هذا اضافة الى ان الاقمار الاصطناعية قادرة هي ايضاً على التقاط دبيب الحشرة الصغيرة على الأرض ومعرفة مكان جحرها الصغير.

هكذا صار ظهر المواطن العالمي والارضي مكشوفاً وربما اصبح هناك اجهزة دقيقة جداً تحمل كاميرا لالتقاط المشهد وسماعة لالتقاط الصوت ويمكن وضعها في طرف ستارة البيت حتى تنقل في بث مباشر وحي كل ما يدور في البيت.

اما عن الهواتف الخلوية فحدث ولا حرج فأنت تستطيع في هذا الجهاز وبامكانيته المتواضعة ان تاخذ وتصور المشهد الذي تريد وان تسجل الحوار الذي تريد ونحن هنا لم نتحدث عن امكانية التنصت الدولي على كل المكالمات الهاتفية. ولعل ماحدث مؤخراً في امريكا حول قضية التنصت على المواطنيين الامركيين ومكالماتهم الهاتفية بحجة الحرب على الارهاب وحماية الامن القومي لهو اكبر دليل على مجانية هتك الاسرار الهاتفية.

وربما من هنا صار للفضائح فكاهياتها الخاصة. ومن تابع اعلان احدى الشركات عن اقامة موقع لها على "جوجل" يتيح للمشاهد ان يرى بعين كاميراتها الموضوعة فيها العمال وهم يعملون. والاطرف من هذا كله الجائزة التي اعلنتها هذه الشركة لاي مشاهد يمكن له ان يجد الخطأ الذي يمكن ان يقع فيه موظفها المراقب عالمياً.

ان التكنولوجيا الدقيقة التي حرصنا كل الحرص ان تكون خادمة لنا تحولت الى وحش يكشف عورتنا الاجتماعية الى الدرجة التي يمكن فيها ان يجيء الوقت الذي يجعلنا نتبادل الحوارات والقهقهات بلغة الاشارة والايماءة وتلكم هي الكارثة بعينها. كارثة عالم اعطى عنقه تماماً لتكنولوجيا مجنونة مثل هذه.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور