حينما وقفت امام الصراف الآلي وكتب لي اعتذاره عن تقديم الخدمة حالياً ، كان عليّ ان ادخل الى البنك كي اسحب نقودي ، وانا اعترف باني أُثمن كثيراً علاقتي مع الصراف الآلي لأنها تعفيني من الدخول الى البنك ومتابعة المشاهد النائية للوجوه الانسانية داخل البنك. ففي داخل البنك ترى رجالا ونساء يطفحون بالاناقة الجادة والتي تجعل الملامح جميعها تبدو وكأنها مُنشاة. وفي البنك تبدو اصابع اليد وقد فقدت حنوها الانساني وهي تتابع صرير الآلات الحاسبة وذاك الصوت التي تطلقه آلة تعداد العملة الورقية كرفيف اجنحة لطائر غامض. وهناك الكونترات والقواطع الزجاجية التي تضفي على وجه الموظف حيادية غير مبررة.
صعدت الدرج الفكاهي المقترح ووجدت نفسي وسط البهجة العدوانية للبنك مرة واحدة. موظفون يجلسون على ارباع مقاعد ، يتبادلون همسات تبدو وكأنها تهرب من كابوس العمل ، وطابور اخرس لمجموعة من النساء والرجال كانوا يصطفون امامي. ورجل ستيني يقف على رأس الطابور بأنفة وتعجرف مهني وبصلعة ملتمعة وبشرة بيضاء مشربة بحمرة خفيفة. همست لنفسي "ان للرجل ملامح تشبه الدواء" واضفت" لعله يعمل طبيباً". وفي هذه اللحظة بالذات حاول احدهم ان يزاحم الرجل في دوره واذ به يصرخ بصوت عال "هذا تجاوز للنظام وللتحضر" موضحاً انه في عيادته يستقبل المرضى بالدور ولايدخل اكثر من مريض واحد الى عيادته". الدكتور فشل تماماً في تطوير الشجار الذي حدث بينه وبين الرجل بسبب الامكانيات الشجارية السوقية التي يمتلكها الرجل الذي زاحمه على دوره. واطلاق الشتائم التي جرحت الوقار البنكي الذي كان يهيمن علينا جميعاً.
في غضون ذلك تسلل رجل خلف الكاونتر ودخل غرفة ذات بوابة معدنية ومفاتيح مكدسة قدرت انها "الخزنة" وخرج منها وبيده رزم من الدنايير من فئة الخمسينات. وزعها على الموظفين. لكن ما جرًح المشهد البنكي هذا برمته هو المتسول الذي اقتعد ارضية البنك بملامحه التي تشبه ملامح "جان فولجان" بطل رواية البؤساء وهو يصيح "انا جائع ياناس.. انا فقير.. والله عندي تسع بنات لايجدن ما يأكلن.. ارحموني .. انا جائع والله انا فقير".
المتسول اربك البنك تماماً واربك الحركة فيه سيما وان موظفي البنك لا يمتلكون دربة للتعامل مع مثل هذه الحالة. اعترف باني شعرت بالاختناق وتركت البنك في ارتباكه وخرجت الى الشارع محاولاً تنشق اكبر كمية من الاوكسجين.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور