كعادتك في كل يوم جمعة تذهب راجلاً نحو وسط البلد ، تفعل هذا وكأنك تود ان تهرب من الفراغ الموحش الذي يفعله يوم الجمعة في الروح ، او ان تهرب من الوقت الذي تراه وهو يجلس القرفصاء ويمد لسانه لك مماحكاً. تبدأ من الانحدار الذي يوقفك على عتبة العبدلي وتبدأ بالمسير وأنت تفرح لهذا الفراغ الشوراعي ولتك الجبال التي تحيط بك من كل الجهات تدهشك هذه البيوت التي تبدو معلقة من عراقيبها على سفوح هذه الجبال. تحاول ان ترسم الشغب العائلي لقاطني هذه البيوت فتدخل في متاهة لا توصلك الى شيء.
وحينما تقف امام المسجد الحسيني الكبير تدهشك المحال والحوانيت المغلقة والتي اتاحت بانغلاقها الصارم هذا لتناسل البسطات التي من الممكن ان يباع فيها كل شيء. هذه البسطات التي يحلو لك ان تسميها بالاسواق الطائرة. والتي تظل تعاني طيلة الايام الاسبوع العادية من موظفي الأمانة وعصيهم وسياراتهم التي تصادر البسطة بكل ما تحمل من بضائع ساذجة. تراقب الباعة الذين يهتفون لبضائعهم بفرح وباساليب اغوائية تستدعي الشراء. تلتفت ترى رجلاً يتوسد الارض نائماً تتساءل عن الشقاء الذي عاشه هذا الرجل ليلة البارحة. هذا الشقاء الذي جعله قدراً على الامساك باغفائة قسرية وسط كل هذا الضجيج.
في زحمة سوق السكر تنتابك رغبة في الدخول الى الزقاق الذي يضم مجموعة من المكتبات فترى واجهات تحتل فيها الكتب الدينية المرتبة الاولى ترى باباً معدنياً ربط على قضبانه فراشاً متسخاً تذوب في الازدحام والوجوه وكأنك تبحث بين الباعة الصغار عن صاحب هذا الفراش الذي احتل هذا المربع الضيق من عمّان كي ينام فيه.
وفي شارع سقف السيل يهاجمك اصحاب الاسواق الطائرة من كل الجهات. بسطات صغيرة تحتمل كل ما يمكن ان يباع. وتتوقف عن المزاد الفكاهي الذي يفتعله بعض قبضايات السوق وهو يضع مجموعة من البضائع المتناقضة في نوعيتها ويفتح المزاد بالاتفاق مع مجموعة من اشقياء السوق الى ان ينتهي بالغمز واللمز على المشتري الذي يقود عروسته الساذجة في اول زيارة لها الى وسط البلد.
في الشارع الممتد امامك تلاحظ اصطفاف باعة الملابس المستعملة. تفكر بالرحلة العابرة للقارات التي مرت بها هذه الملابس حتى اتخذت لها هذه المكانة الصارمة على الرصيف وتضحك.
تمشي وتمشي في وسط البلد. تفعل هذا في كل يوم جمعة وتفرح لكل التداعيات التي توقظ الدهشة في عينيك وتمسح عنا تفاهة ايام الاسبوع ورتابتها. مثلما تفرح لقاع المدينة هذا الذي يجعلك تبتهج لعمانك الخاصة بك وحدك.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور