بالصدفة البحتة كنت مساء امس اضع امامي ورقة بيضاء وامسك بقلم حبر. وحينما راقبت التفاف اصابعي على قلم الحبر وانا احاول الكتابة بنوع من افتعال الخربشة والتأمل وتبديد الوقت فوجئت بارتعاشة اصابعي تماماً مثلما كانت ترتعش في صفوفي الابتدائية الاولى وانا اكتب بالطبشور على السبورة المدرسية. حاولت ان اتماسك قليلاً وآخذ وضعية الكتابة وبدأت أكتب. كانت الحروف مرتعشة وتكاد تفقد تماسكها. فكررت المحاولة اكثر من مرة لاكتشف بأني قد أضعت خطي. هذا الخط الذي كان يميز كتابتي بجماله. وبتشكيلاته بين خط الرقعة والنسخ. والاعجاب الذي كان يقطفه خطي لكل من كان يراه.
هذا ما فعله بي الكمبيوتر الذي جعلني اقبل عليه بهذه الهمة وانا ارى الخط الذي اكتبه امامي يبدو مرتعشاً ومكهرباً على شاشته ورسمياً دون اي حنو حبري. وربما هذا ما جعلني وحينما احسست باني فقدت خطي الحبري الذي كنت اشكله باصابعي ان اعود الى ذاكرة خطية كاملة.
ان اعود الى هيامي الطفولي بالخط العربي وبحروفيته الجميلة التي كانت تجعلني اجوب الاسواق وانا أقرأ الآرمات واليافطات لاراقب جماليات الخط العربي وتشكيلاته ، وانا احاول ان اتعرف على الخطاط من خلال توقيعه الراقص على طرف اليافطة. ومازلت اذكر كيف كنت اهرب من الفصل المدرسي كي اذهب امام محل الخطاط "فايز" في اربد لاقف بشكل لصوصي وانا ارقب حركة اصابعه مع الفرشاة وهي ترسم الخط العربي الجميل بكافة تشكيلاته.
وقد عدت في تداعياتي الخطية هذه الى تذكر بعض الخطوك القبيحة لاصدقائي في الفصل المدرسي. وتذكر بعض الخطوط الجميلة لاصدقاء.والرسائل الغرامية الاولى التي كنّا نكتبها بخطوط ملونة ومتنوعة. تذكرت الاصدقاء الكتاب ولون حبرهم وطعمه. تذكرت الاقلام الجاحظية الذي كان يحافظ الشاعر الصديق يوسف ابو لوز على اقتنائها بالوان حبرها المتنوع. وتذكرت تلك الورقة اليتيمة التي كان يضعها صديقي الراحل محمد طملية حينما كان يكتب مقالته اليومية امامي. بذاك الخط المنمنم الصغير والمائل الى اسفل.
تذكرت بعض الكتاب العرب الذين ظلوا يحافظون على حبرهم وعلى نوعية خطهم كالشاعر الراحل محمود درويش والشاعر ادونيس الذي قال ذات مرة بان الحبر هو امتداد ليده في الكتابة والشاعر الصديق خيري منصور.
بالامس فقط وحينما امسكت بالقلم وحاولت الكتابة ادركت حجم الافتراق الذي احدثه الكمبيوتر بيني وبين خطي الذي يبدو انه ضاع مني هذه المرة والى الأبد. وانه عليّ ان اعمل بالفعل على تأبين حبري وتكفينه.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور