ها أنت تعاود التجربة ذاتها قسراً كعادتك في كل خريف وفي كل صباح تشريني. تنهض من نومك متثاقلاً وانت تحاول ان تسترد عافيتك في استقبال الصباحات. تدفر الفراش وتنهض لكن قواك تخونك وانت تحس بالدوار تتجاوز ذلك محاولا تذكر بعض الكوابيس التي هاجمتك في نومك فتفشل ، وتفضل النهوض الكامل والاقتراب من النافذه كي تجوب بنظراتك الافق السماوي وترى التقلبات الرمادية في لون السماء. وهذا الشح في اشعة الشمس الصباحية التي تصلك متكسرة وعبور طائر الغراب من فوق اشجار الحديقة. التي بدت هي الاخرى شاحبة وصفراء وكأنها تعاني من انيميا الاخضرار.

انه الصباح التشريني ذاته الذي يحط على قلبك كالكابوس كل عام فيستل من روحك رغبة الوصل والتواصل مع كل شيء حولك. فتبدو مثل ضرير فقد نظره فجأة ويحتاج الى ان يعاود تأثيث الذاكرة بالمشاهد التي تذكره ببصره.

هو الصباح ذاته الذي يجعلك ترتد لتفحص جسدك فيزيائياً لتحس بانك احد الكائنات الغامضة التي تدب على الارض بأبدية موجعة وهي لا تمتلك من امرها اي شيء سوى الاستمرار بممارسة الحركة الوحودية الغبية ذاتها. هو الصباح الذي يجعلك تفشل في تذكر سحن الاصدقاء وضجة حضورهم الجميل في الذاكرة ليتحولوا الى ما يشبه الزوائد الدودية اللدنة. فتهرب منهم نحو الفراغ الذي لا يبادلك الرغبة ذاتها في العناق.

هو الصباح التشريني ذاته الذي يتكرر كل عام فيجعلك ترى الامكنة عبارة عن غابات حجرية تحيط بك من كل جانب وتضيق عليك حد الاختناق فترغب بالهرب منها لكنها تظل تطاردك بصريرها الحجري وبالقامات الشبحية التي تقطن فيها.

هو الصباح التشريني ذاته الذي يجعلك ترى النساء وكانهن مخلوقات فكاهية لا تتسم بالجدية. فتحاول ان تسترد تاريخاً كانت فيه المرأة هي امك واختك وحبيتك لكنك تفشل وانت تلازمك تلك النظرة التي تجعلك ترى المرأة وكانها خلقت الى جانبك للتو. فحملت نظرتك لها كل هذا الاستغراب والاستهجان.

هو الصباح التشريني ذاته الذي يجعلك ترغب في ان تصفع الساسة والتجار وموظفي العلاقات العامة والسكرتيرات الجالسات منذ الفجر في شركات عابرة للقارات. وهو الصباح الذي يجعلك ترغب في الامساك بشوارع المدينة وساحاتها من تلابيبها وتحركها ذات اليمين وذات الشمال بشقاوتك الطفولية المدمرة.

هو الصباح التشريني ذاته الذي يصطادك في كل خريف ويجعلك تهرب من النافذة ومن الاشجار والشوارع والناس كي تعود الى فراشك من جديد كي تستحم بالنوم وبحاولة استرداد الرغبة في الحياة كما تفعل في كل صباح.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور