امس كنت في جبل عمان وقدمت ذاكرتي فروض الطاعة لجبل كان مجرد المشي في شوارعه يجعل الواحد منّا يكاد يطير. انا هنا اتحدث عن جبل عمان في مطلع سبعينيات القرن الفائت حيث الشوارع الانيقة والبيوت ذات الشرفات المرحة ، وحيث الصبايا اللواتي ينهبن الروح والرأس لحظة مرورهن بجانبك ، وتلك السيارات الانيقة التي كانت تمر مسرعة كي تعبر عن اهمية الرجل الذي يجلس في المقعد الخلفي.
امس كنت في جبل عمان وتحديداً عند الدوار الاول. هنا تقف بناية التأمين شاهقة. وهنا المعهد الامريكي للغات. هنا يمكن استعادة مشهد المظاهرة التي جاءت من شرق عمان وهي تهتف ضد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر اثر موافقته على مبادرة روجرز. يالهي كم كانت الجماهير طازجة شعارياً ولم تكن تدري بان المبادرات القادمة سوف تكون اقسى واكثر ايلاما.
وهنا عند الدوار الاول ما زال مقهى الدبلومات على اطلالته الصيفية المدهشة وهو يوقظ تلك الجلسات الشبابية والجلوس المدهش للفتيات في مقهى مختلط. هنا في الدبلومات ولدت قصتي القصيرة "مقهى عصري" والذي اتحدث فيها عن المفارقة الطبقية بين شاب وشابة.
من هنا من عند الدوار الاول كانت عمان الغربية تمد اولى خطاها العمرانية كي تتعدد اسماء الدورات حتى تصل الى الدوار الثامن. ومن هنا كانت السفارات تبدو كقلاع حصينة يصعب ترويضها عمرانياً.
امس سرت في شارع الرينبو الشارع الطفل كما يحلو لي ان اسميه. هنا كانت سينما الرينبو تعرض الافلام الاجنبية المنتقاة والحاصلة على جوائز عالمية وهنا كنا نحتال على وضعنا الطبقي بحضور هذه الافلام وتنشق روائح الناس. وهنا المركز اللثقافي البريطاني وهؤلاء الطلبة الذين يقبلون على تعلم اللغة الانجليزية. وبعد قليل سوف ترى مدرسة المطران التي خرجت العديد من الاجيال الثقافية والفكرية الفاعلة. ومدرسة شكري شعشاعة التي كانت تكتظ بضجيج الطلبة اليومي.
امس سرت في الشوارع الخلفية المحيطة بشارع الرينبو وهالك مشهد تلك الفوانيس الملتصقة بالجدران الحجرية للمباني العتيقة. مثلما هالك مشهد المقاهي المنتشرة في تلك الشوارع التي بدت مثل تلك الشوارع التي يتم تخليقها في الروايات.
امس في جبل عمان استحضرت ذاكرة كاملة ما زال الجبل يحتفظ بعبق رائحتها وطعمها وبصعوبة بالغة عدت الى بيتك وانت تودع جبلاً له مكانته الخاصة في ذاكرتك ، لا بل في الذاكرة الجمعية لعمان ولا ناسها.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور