ان ما يصنع الظاهرة ويكرس حضورها كي تكتسب مسمى "الظاهرة" هو تكرار حدوث سيناريوهاتها بالكيفية ذاتها التي تحدث فيها لاول مرة. وقد بدأت المدن الاردنية تشهد محاولات انتحارية لشباب وفتيات في اول العمر. محاولات صارت تحدث بشكل علني وتشهيري يقوم بها الشخص المنتحر بالوقوف على سطح بناية عالية ويبدأ بالتهديد بالانتحار عارضاً همومه الوجدانية امام الجمهور المتجمع عند اسفل البناية. وقد حدث ان تدخل رجال الامن في اكثر من موقع انتحاري واقنعوا المدّعي بالعدول عن فكرته.

لكن الامر مختلف تماماً حين يغيب عن الاستعراضية والنجومية الغبية في تحقيق حادث الانتحار ويقوم المنتحر بالاختلاء بذاته وقتلها شنقاً أو بمادة سمية.

وبالامس نشرت "الدستور" خبراً عن اقدام حدث في الثالثة عشرة من عمره على الانتحار شنقاً في مدينة اربد. وفي خبر آخر يقول ان شاباً في الزرقاء يبلغ من العمر "25" عاماً من منطقة حي معصوم قد اقدم على الانتحار بتناول مادة "اللانيت" السامة بعد ان ترك رسالة يوضح فيها موجبات انتحاره.

اننا اذن امام ظاهرة بدأت تستشري في مجتمعنا وتشكل ظاهرة خطيرة تستحق منا وقفة تأمل ودراسة وبحث عن الاسباب التي تقود حدثاً على عتبة العمر بشنق نفسه ، او تقود شاباً لقتل نفسه بمادة سامة. ان الامر الجلل الذي يكوّن حادثة الانتحار بحاجة الى جهات اجتماعية مختصة ومعنية بدراسة حيثيات هذه الظاهرة والبحث عن اصولها. ذلك انّ سيكولوجية الانتحار تجعل المُنتحر يقوم بمسلكيات اكتئابية وانسحابات اجتماعية تدلل على فكرة اقدامه على الانتحار. ولعله من المستحيل ان يقدم انسان على فعل الانتحار دون ان يرسل اشارات تدلل على اقترابه من اتخاذ قرار بمثل هذه الخطورة.

ولا يعقل ان تكون الجهات العائلية والرفاقية المحيطة بشخصية المنتحر لم تكن تعرف هذه النوايا ولا تنظر الى مثل هذه الاشارت بعين جادّة.

انّ تكرار حوادث الانتحار بهذا الشكل المأساوي يدفعنا ان نكون اكثر قسوة في طرح السؤال عن الشخوص الذين يخلقون الجو الملائم لتحقيق فكرة الانتحار. او حتى بالقول ان ما من منتحر الا وخلفه جهة قاتلة قادته الى مثل هذا القرار المفجع وهذا بالضبط ماعلينا دراسته قبل اغلاق ملف قضية الانتحار وحفظها كسجل عابر في ملفاتنا الامنية.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور