انه المطر وهو ليس ذاك المطر الذي يبلل نطق القصائد ، ولا هو المطر الذي أيده السياب في قصيدته ذائعة الصيت "انشودة المطر" ، ولا هو المطر الذي يزلزل الفراغ السماوي بدفقاته المائية المتتالية.
انه المطر. مطرك أنت تحديداً ، هذا الذي يمتد بغيومه منخفضاً حتى يلامس الشرفات فيخلق عتمة نهارية محببة في ارجاء بيتك. فيبدو الاثاث اكثر حنواً والوجوه اكثر حاجة للعنق والتقبيل والممرات مهادنة وطيعة بينما الفراش يمغنط جسدك بالاختباء وبالرغبة الجامحة في استدعاء ذاكرة كاملة.
انه مطرك الذي كان يجعلك في "الشتوة" الاولى تذهب كي تتنشق رائحة الارض لتصغي لشهيقها الخافت المضرج بالبلل ، او لتمسك بالتراب الذي يطلق تلك الرائحة النادرة لحظة تبلله الاول لترى بأم عينك لحظة اختلاط التراب الناشف بالماء وهو يدغدغ ذراته بالماء ، ليطلقك بعد ذلك كمخلوق بري يجوب الحواري والازقة مبتهجاً بهذا الانقلاب المباغت للمناخ.
انه مطرك الذي كان يقودك لتأمل تلك الشرفات التي كانت تغلق بواباتها تاركة نساء العائلة يذهبن الى التعرف على البيت والمدفأة من جديد والى غزل الكرات الصوفية التي يتنطنط حولها الاطفال غير مصدقين ان تلك الحركة اللولبية لسيدة البيت وهي تحرك خيطان الصوف سوف تصنع "جرزة" تُجمل قامة بنت البيت.
انه مطرك الذي كان يدفعك لحظة هطوله الى الذهاب الى الاشجار كي تتعرف عليها وانت تلامس جذوعها التي بدأت تتشرب الماء وتفرح لانزلاقة اصابعك على المسامات الشجرية وحينما تهز الشجرة بقواك الفتية تفرح لارتباك اوراق الشجر وهي تقطر عليك من مائها المباغت. كنت تفعل هذا مع الياسمينة ذان الجذع النحيل ومع شجرة الليمون الشهرية ومع الدالية التي كانت تبدو مرتبكة جداً لحظة ملامسة الماء لاغصانها التي حطبها الخريف.
انه مطرك الذي كان يجعلك ترقب شقع المزاريب والوجوه التي خلف المطر على ملامحها عتمة محببة. ومتابعة هذا الفراغ الطارىء في الشوارع والحارات. لتبحث عن مظلة اسمنتية تمنحك فرصة مرقبة تدفق المطر.
انه المطر مطرك الذي يجعلك تجلس على هضبة العمر وتتطلع من نافذة بيتك كي تحاول من جديد الامساك بتلك الفرحة التي كان يبثها المطر الاول في جسدك ويجعلك تمتلك كل تلك الطلاقة في البكاء الجميل ، لتهمس وانت تطارد تلك الغيمة الداكنة كل عام وانت ومطرك الخاص بخير.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور