ما زلت اذكر عمي الحاج الذي كان يجلس في باحة بيته المتواضع وهو يسند ظهره على جدار متهالك يحتسي قهوته العربية ويسعل في تلك الصباحات التموزية ، وهو يطلق دخان "الهيشي" من فمه بانتظار اي زائر. وعلى الاغلب فان مجلسه نادراً ما كان يخلو من الزوار.

وقد كنت خلال طفولتي وانا اجاور جلسته الصباحية هذه اشاهد العديد من الاشخاص يأتون اليه لحل مشاكلهم التي كانت تصل آنذاك الى جدار مسدود. وقد شهدت على حادثة الشاب الذي حضر مبكراً كي يشكو حاله الى عمي الحاج وهو يقول بانه يعاني الامرين من زوجته الشابة التي "تعايره" بمستواها التعليمي حيث انها حاصلة على شهادة الاعدادية بينما هو يكاد لا يفك الخط بدراسته الابتدائية المتعثرة.

اذكر ان عمي الحاج وبخ الشاب على خنوعيته للفكرة التعليمية وان مهنته كميكانيكي سوف تدر عليه ذهباً ومن ثم أمر عمي الحاج باحضار زوجة الشاب. وحينما وقفت امامه. لم يوبخها بل اخذ يحثها على ان تزداد ايماناً بدراستها ومن ثم طلب منها الاهتمام بزوجها وتوعيته وتعليمه ذلك ان وحده زوجها القادر على تلبية كل متطلباتها الحياتية باصابعه التي تدر ذهباً. واذكر ان عمي الحاج طلب من تلك المرأة الصغيرة ان تقبل رأس زوجها. طالباً من الزوج والزوجة عدم تكرار ذلك.

اذكر ان عمي الحاج كان يفعل هذا كل يوم وهو يستقبل الابناء والاقارب وكبار الرجال في العائلة وهو يمنحهم حلوله الحكيمة لأية مشكلة كانت تواجههم. وكان يلاحق في الايام التالية أدق التفاصيل حتى يتأكد بأن المشكلة قد حلت تماماً.

واذكر ان عمي الحاج انه كان يغادر باحة بيته المتواضعة في "مخيم عين السلطان" فيأتي الى بيتنا في اربد كي يحل مشكلة ومن ثم يذهب الى الزرقاء كي يحل مشكلة ويظل يتنقل بين بيوت الاشقاء والاقارب كطيف جميل يولد الطمأنينة اينما حل.

وأذكر ان عمي الحاج قال لي بعد سهرة طويلة لي معه وكنت آنذاك على اعتاب الرجولة: "هل يعقل يا خليل وانت بهذا العمر وبهذه الطلاقة انك لا تدخن" فارتبكت وقلت له "انني ادخن يا عمي" فطلب من ان اشعل سيجارتي امامه وفعلت هذا. وفي اليوم التالي وبينما كنت اجلس معه حضر والدي. فقال لي "لماذا لا تدخن يا خليل" فارتبكت قليلا مثلما ارتبك والدي ايضاً. فنهرني عمي الحاج قائلاً "اتخجل من التدخين امام ولدك ولا تخجل مني. وكان لمرة الاولى التي أدخن فيها امام والدي.

أتذكر هذه الايام عمي الحاج وغياب كبير العائلة واشعر بحسرة عميقة لغياب كل الكبار الذين تركوا الصغار يقودوننا الى مثل كل هذا الخراب والى كل هذا العبث. واشعر بغصة عميقة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور