كنت اشاهد الرجل في احد الافلام الوثائقية التي تبثها احدى الفضائيات وكان يجلس خلف مقود سيارة الجيب بكامل عافية عمره الستيني. وهو يسير بسرعة خارقة للمألوف. وكان بهذه السرعة يحاول ان يسير بالسرعة ذاتها التي خلفها فيضان احد الجبال الجليدية في القطب المتجمد الشمالي. كان يفعل هذا ويقول "تصور ان تكون سائراً بهذه السرعة كي تنجو من فيضان مائي يحمل الاشجار والصخور بارتفاع 100" متر".
الرجل الذي هو في الاصل عالم جيولوجي كان قد منح عمره للتفرغ في المحيط المتجمد الشمالي حيث عاش اكثر من اربعين عاماً وهو يبحث عن الاسرار في بنية الجبال الجليدية وجذرها الضارب في العمق المتصل مع الجبال والصخور والكائنات التي تعيش في تلك العتمة الجليدية الموحشة.
المشهد الآخر الذي لفت انتباهي في برنامج آخر هو مجموعة من العلماء الشباب كانوا يحيطون بشجرة "قيقب" وهم يحاولون ان يعرفوا المدّة الزمنية التي تحتاجها اوارق شجرة "القيقب" كي يتغير لونها من اللون الاخضر الى اللون الاحمر المدهش. وهذا ما جعلهم يقومون ببناء برج يحيط بالشجرة ومن ثم قاموا بتوزيع كاميرات ترصد تحول لون اوراق شجرة القيقب كل ساعة مرة ليكتشفوا ان تحول لونها يحتاج بالضبط الى تسعة ايام.
هذان المشهدان احالاني الى التفكير في الفرق بين الرأسمال العربي والرأسمال الغربي. فالرأسمال العربي ما زال يتعامل مع الربح باعتباره قيمة عينية الى الدرجة التي لا يمكن ان يصدق الربح الا اذا قبض عليه باصابعه. بينما نلحظ ان الرأسمال الغربي يسعى الى الربح بقيمته المادية وقيمته الاعتبارية ايضاً.
انا هنا اتحدث عن رأس المال الغربي الذي صدق انه يمكن ان يفرغ العالم الجيولوجي لمدة تزيد عن اربعين عاماً كي يدرس العلم الجليدي ويؤمن له كل احتياجاته الحياتية دون اي ذعر وظيفي او اي خوف على رزق الابناء ويقومون بتوفير كل المعونات اللوجستية لتحقيق هذا العلم. والمثال ذاته ينطبق على فريق العلماء الشباب الذي يطارد احمرار ورقة القيقب.
وانا هنا اتحدث عن رأسمال عربي يتسم بالغباء التاريخي المزمن ولا يكلف نفسه عناء البحث عن اصحاب الطاقات العلمية والاستفادة من قدراتهم في مشاريع على هذا النحو.
ولعل الفرق الجارح بين حضارتين يكمن في هذا المفصل البسيط في الفرق بين رأسمالين.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور