مازالت بنية الدهماء العربية هي المركز الاساس في اي توجه معرفي او حياتي ، وذلك على اعتبار ان هذه البنية على دوغمائيتها المزمنة ظلت هي الحارس الحقيقي لكل اشكال التخلف الذي نعيش.
ومازالت المعادلة التي تنص على مقولة اذا اردت ان تهيمن وتسيطر فعليك ان تستجير بالدهماء فهي المنطقة الفولاذية التي ستحرسك من أي اختراق ومن أي عقاب ايضاً.
وفي التاريخ البشري ظلّ التركيز على بنية الدهماء والقدرة على تجديد ضخ الدم في عروقها هو الديدن لكل القوى السياسية والمعرفية وحتى الدينية. وظلت هذه الدهماء تمارس قواها التدميرية على كل محاولات التحرر والتجديد في قوى المجتمعات ، وتعيق كل محاولاتها التقدمية والعلمية. ولا نجانب الصواب ان قلنا بان الوعي الحضاري الغربي لم يمارس حضوره المتفوق في عصرنا الا عندما خرج من سطوة الدهماء واعاد صياغتها بما يتناسب مع الطموحات التحررية للفرد والمجتمع بشكل عام.
عربياً ما زالت الدهماء تقيم فينا من خلال الاعتماد على الماضوية التي تستنزف مضارعنا الآني وتطلعاتنا المستقبلية على السواء. وتعيق كل المحاولات الطليعية الذاهبة باتجاه منطقة المستقبل او باتجاه حالة التطابق مع العصر وحضارته السائدة.
فشعاراتنا السياسية ظلت تستجير بالدهماء وتتسلل الى عروقها كالمورفين دون ان تجد هذه الشعارات مكانها الحقيقي على ارض الواقع او محاولة تثويرها اجرائياً.
وظلت هذه الشعارات نائمة في نطقنا اليومي وفي حبرنا الملصق على اليافطات. بحيث صارت المسافة بين كلمات الشعار السياسي والواقع المعيش تبدو فلكية. لا بل هي كذلك.
وفي حياتنا الاجتماعية وتعرجات حدوثها اليومي ظلت هذه الحياة مرتبطة بما اتفقت عليه قوانا الاجتماعية مع الدهماء تاريخياً للتعامل مع أعتى المشكلات لحلها بمرجعية الدهماء.
والغريب في مسألة الدهماء هذه انها من تركات الثقافة الشفوية وتكاد تكون هي الثقافة الوحيدة في العالم التي تقوى على التشكل حبرياً في اي لحظة ومن ثم ممارسة
العودة الى جحورها الشفوية. ولذلك تظل هي المرجعية الافضل وتظل هي الحارسة لنا وهي القادرة دائماً على انتشالنا من شمس الفضيحة النهارية الساطعة.
وهكذا فان الاعتصام بالدهماء هو المنقذ الاكيد والدائم لكل حالات التخلف التي نعيش. وسنظل هكذا حتى يجيء المنقذ الذي يستطيع زلزلة كيان هذه الدهماء واعادة صياغتها وتحبيرها من جديد.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور