ظلت سويسرا ترتع عالمياً بالطمأنينة وفيما كانت الحروب العالمية تجز أعناق شعوب الارض قاطبة ظلت ارض سويسرا هي الارض الوحيدة الآمنة بفعل الحياد الذي منحته لها دول العالم قاطبة. لكن ماحدث في كنتونات الاتحاد السويسري امس الاول اكد ان فكرة الحياد الدولي في سويسرا وفي كنتوناتها هي فكرة وهمية بامتياز.
فقد كشف اليمين المسيحي السويسري عن وجهه البشع حين استطاع ان ينهض السويسريون من نومهم كي يتوجهوا الى صناديق الاقتراع للادلاء باصواتهم في استفتاء حظر بناء المآذن في المدن السويسرية. وكانت النتيجة ان اكثر من 57% وافقوا على حظر بناء المآذن بحسب النتائج النهائية للاستفتاء. مقابل رفض اربعة كنتونات فقط من اصل 26 كانتوناً يتألف منها الاتحاد السويسري.
وفي دولة مثل سويسرا ظلت ترتع بالتثاؤب الدولي فان سيناريو الحادثة لا يخلو من الفكاهة ومن ايقاظ غرائز عنصرية نائمة في الوجدان السويسري. فعلى الاغلب كان هناك اشتغالات للميديا الاعلامية السويسرية لتعميق الحملة ضد المآذن والاسلام عموماً. وكانت هناك مناظرات امتحنت الفكرة وبثتها عبر الفضائيات وهناك النشاط الحميم الذي قام به الحزب اليميني في توعية الناس هناك ضد المآذن والمساجد عموماً والعمل على انتاج الملصقات والبوسترات التي ترسم صور المآذن على شكل قذائف صارخية وبجانب هذه القذائف صورة لامرأة مسلمة منقبة.
وفي الجانب الموجع من السيناريو كان هناك مايزيد عن نصف مليون مسلم يقيمون في سويسرا يرقبون الحادثة بنوع من الذعر الديني خوفاً من مخالب اليمين التي لا تشبع تاريخياً وان مثل هذا الاقتراع قد يتحول ديموقراطياً الى تحليل ذبح المسلم.
ان تنظيرات هينتجتون التي اقترحت الحضارة الاسلامية كعدو حقيقي في صراع الحضارات المقبل خلال مطلع الفيتنا الثالثة هذه ، اخذت تتجاوز واقعها الحبري وتخرج من تلك الكراسة اللعينة التي وضعها هينتجتون وتتحول الى حركة اجرائية تتجسد على ارض الواقع في فترات ليست متباعدة على الاطلاق. واستطاعت هذه الترجمات الاجرائية تحويل الاسلام عالمياً الى عدو حقيقي للشعوب. ولعل نهوض المواطن السويسري الذي ظل يرتع في طمأنينة الحيادية الدولية من نومه كي يدلو بصوته في مسألة من هذا النوع هي الدليل بأن حرب المآذن قد بدأت. وان على العالم الاسلامي ان يستعد لليمين المسيحي العالمي الذي يضع وبكل وقاحة خياراته على بلاطة واضحة الى هذا الحد.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور