الحضارة تفشل احيناً في التستر على وجهها البشع الذي تظل تتستر عليه. مثلما تفشل ايضاً في حركة التوازن بين المعطى الاخلاقي الذي تحاول ان تسوقه على الشعوب ، وبين المعطى الشرير الثاوي في اعمق أعماقها.
والحضارة الغربية التي تسعى لتسويق ديمقراطيتها كنتاج حضاري خاص بها على دول العالم الثالث من خلال حروب احرقت الاخضر واليابس في دول مثل العراق وافغانستان ، لم تقو بعد على التستر على تلك الثيمة النائمة في اعماقها تجاه شعوب الارض ومعتقداتها الدينية الراسخة.
والحضارة الغربية التي تسوق العلمانية والديمقراطية وحرية المعتقد لم تبرأ بعد من من المطاردات الدينية التي كانت تلاحق اهل الاندلس من مسلمين ويهود ساعية لتخييرهم بين القتل او التنصير. هذه الثيمة ظلت بتخلفها تجاور التقدم الحضاري الغربي وظلت تتمظهر في مفاصل تاريخية كي تحفر حفرتها الكارثية والموجعة في مسار التاريخ الانساني.
فالحضارة الغربية هي التي اقترحت على الشخصية اليهودية هذا الحصار البنائي المسمى ب"الغيتو" ، وهذه الحضارة ذاتها هي من ظلت تقمع اليهودي وتحقره وتتعامل معه في خطابها المعرفي باعتباره شخصية تستحق القتل والمحق. وهي ذاتها الحضارة التي اقترحت فكرة "الهولوكوست" التي سعت لحرق اليهود ومعاداة السامية عموماُ ، وهي الحضارة التي سعت الى اقتلاع اليهود من من اعمق احشائها وطردهم خارج الجسد المتحضر كي يقيموا دولتهم التوراتية على ارض "اللبن والعسل" في فلسطين ، وجعلتهم يصدقون هذه الكذبة التاريخية ويقومون بارتكاب متواليات القهر والتدمير على فلسطين وشعبها.
والحضارة الغربية التي تضع مساحيقها التجميلية في نشراتنا الاخبارية صبح مساء بدأت هذه الايام تستعدي البناء المسجدي الاسلامي وتذهب بالقرار تلو القرار الى الى ساحة البرلمان وصناديق الاقترع للتصويت على شرعية بناء المأذنة مثلما حدث في سويسرا وتبعتها هولندا وفرنسا ام المعرفة وام الدساتير الحديثة.
الحضارة الغربية التي كذبت علينا عبر اكثر من قرن بتحضرها الكاذب تستعد هذه الايام لمنع بناء المآذن وخنق صوت الدعاء الى الله فيها.
الحضارة الغربية التي جعلتنا نعتقد انها تجاوزت فكرة مطاردتنا باعتبارنا احفاد عبد الله الصغير. الحضارة الغربية هي حضارة كاذبة بامتياز وهي حضارة مازال ترتع بالتخلف وبنوايا الحروب الدينية التي ستعيد البشرية الى مربع الحماقة الاولى.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور