تقوم السينما العربية بنية جرمية مسبقة على الاغلب في ترسيخ عادات اجتماعية اقل ما يقال عنها انها كالوباء بل هي الوباء نفسه. وياتي هذا الترسيخ عبر مشاهد تمثيلية يكون لها الاثر العميق على المشاهد الطازج والفتي والذي يعطي رأسه للمشهد والذي يقوم لاحقاً بتقليد هذه المشاهد وتمثلها في حياته الشخصية.
وانا في هذا المقام استطيع أن أجزم بان اقبال جيلي في ستينيات وسبعينيات القرن الفائت على السيجارة وتدخينها وهذا الاصرار المحموم على نفث التبغ من الفم جاء بسبب الحضور الطاغي للبطل المدخن في السينما العربية.
فقد عملت السينما على جعل الممثل يدخن في كافة المشاهد المرافقة لتوتره مع الحبيبة او مع المجتمع. فانت من الصعب عليك ان ترى الفنان الراحل شكري سرحان دون ان يكون متوتراً وهو ينفث دخان سيجارته او وهو يسحقها في منفضة. مع ان الفنان شكري سرحان وبحسب معلوماتي انه لم يكن يدخن اصلاً ، والامر ذاته ينطبق على الممثل حسن يوسف الذي كان لا يدخن هو الآخر. وربما الفنان احمد رمزي ايضاً.
ان مشهد البطل الذي كان يدخن باستمرار كان يوقعنا ، وحينما نخرج من دار السينما في حالة مسرنمة تجعلنا نبحث عن السيجارة كي نشعلها وننفثها بذات الطريقة.
وما زلت اذكر الدهشة الغبية التي وقعنا بها حينما عاد من القاهرة صديقنا الفاشل المزمن في دراسة الثانوية العامة بعد ان قدم التوجيهي المصري واحضر معه علبة دخان كليوبترا وهي ذات العلبة التي كان يدخن منها رشدي اباظة وكمال الشناوي وهند رستم،
ومن يتابع السينما المصرية هذه الايام لابد وان يلاحظ غياب شخصية المدخن من مشاهدها السينمائية وحضور مشاهد اكثر خطورة والحاحية وهي مشاهدة "الجوزة" وتدخين الحشيش.
فما من فيلم الا وتجد فيه الغرزة المصرية بكامل حضورها الى الدرجة التي تعتقد فيها ان الشعب المصري بكامله يتعاطى حشيشة الكيف. المهم ان هذا التعزيز المثابر لفكرة التحشيش والجوزة وثقافة الغرز لابد وان يكون له الاثر اللاحق على جيل يتمثل حالة البطل ويود لو يكونه.
ان الجنون التسويقي للسينما المصرية قد عمل على ادخال عادات مجتمعية قبيحة والا ما معنى هذه الطفرة السائدة عربياً في تدخين النارجيلة في البيوت والشرفات والمحال والمقاهي؟
انه الدلف السينمائي الذي يوقعنا دائماً في غباء التمثل والتمثيل.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور