استطاعت ثقافة الصورة بتفشيها المتسارع ان تعيد صياغة الوعي الجمعي عند المجاميع البشرية على حد سواء ، بحيث ان الوعي بالحروب وآثارها وتدميراتها الاجتماعية لم يعد يحتكر في جغرافيا دون اخرى. وخلقت ثورة الصورة بكل تجلياتها التكنولوجية حالة متقدمة في التواصل بين المنظمات الدولية والعمل على اعادة تشكيل فعل التضامن الانساني بطريقة لم يعهده التواصل الانساني من قبل.

وبمقابل هذا الانفتاح الاعلامي اخذت المجتمعات الغربية المتطورة على كاهلها العمل على تفعيل منظماتها المدنية وتعميق دور هذه المنظمات في كل المحافل الدولية وعلى كافة الصعد السياسية والاجتماعية. لا بل استطاعت بعض هذه المنظمات وبالفعل المباشر وبقدرتها على تشغيل قواها القانونية ان تقدر على انتاج مواثيق دولية تجعل دول العالم تتفق على بنودها وتعمل على تحقيقها. فتساعد على مسلكيات ايجابية وتحاصر مسلكيات سلبية.

وبرغم كل هذا التطور الذي فعلته ثقافة الصورة عند الجموع البشرية الا ان العقلية الديكتاتورية مازالت تعتقد انها بمنأى عن فعالية هذه المنظمات وعن دورها التنويري ومازالت المطابخ السياسية في دول العالم الثالث ترتع في نهب حقوق مواطنيها معتقدة انه يمكن ان تُعفى منطقتها الجغرافية من الملاحقة الدولية وتسديد فواتير الذبح والقتل. ومازالت القوى الاحتلالية تعتقد انها وبمجرد خروجها من جحرها التاريخي الذي أكل عليه الزمن وشرب ان تنهب الاراضي وتهجر السكان وتقوم بالمذابح كما تريد وكما تشتهي.

ان الهمّة الدولية التي رافقت الحرب على غزة وهذا التعاطف الشعبي العالمي مع غزة وحصارها الجائر ، والذي تمثل بالقوافل الطبية والغذائية الذاهبة الى غزة ، اضافة الى الخبراء القانونيين الذين استطاعوا اخراج تقرير غلادستون الى المحافل الدولية والقرار القضائي البريطاني بتوجيه تهمة جرائم الحرب الى وزيرة الخارجية الاسرائيلية ليفني ، كل هذا يدلل على مدى الفاعلية لكل المنظمات الدولية في لجم اي مسلك بربري مستقبلاً.

ان العالم الذي اعتاد تاريخياً على الاحتلال والتدمير والنهب ضمن مسوغات ارثية سيقف خلال السنوات المقبلة امام جهات دولية وتنظيمات دولية قادرة على محاكمته وجعله يسدد فواتير اعتداءاته االغاشمة على بعض الشعوب. وستشهد المحافل الدولية في السنوات المقبلة العديد من المفارقات التي ستحول القاضي الى متهم والمتهم الى قاض يستل حقه التاريخي في العيش من حدقتي الظالم.

وعليه فانه من الواجب علينا ان نصدق عربياً بانه من الممكن ان يتم تدويل العدالة وتعميمها.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور