حينما تنهض الأُمية الشعبية والجماهيرية كي تبحث تبحث عن الخلاص وايجاد الحلول لظروف قهرية تعيشها بسبب الاحتلال والحصار وتبتكر فكرة الحفر في التراب وايجاد الانفاق كما فعلت جماهير غزة لتحصل على معبرها الخاص مع رفح المصرية فان الانظمة تركل كل تطورها التكنولوجي وتذهب نحو الجانب الطفولي والصبياني للتاريخ كي تواجه أُمية الانفاق بأمية الجدران وعقلية القلاع.
السور الفولاذي الذي ينوي النظام المصري على بنائه ليكون حداً فاصلاً بين تواصل حفر الانفاق التي جعلت غزة صامدة حتى هذه اللحظة وهي تهرب الغذاء والدواء باثمان خيالية يعيدنا الى ذاكرة فكرة عزل المدن بالجدران كما كانت مدينة الاسوار والقلاع عبر التاريخ.
ففكرة "الجيتو" اليهودي القائمة على العزل عقلية القلعة والاختلاء الجغرافي تحولت الى نقمة مستحدثة قام الاحتلال الاسرائيلي باعادة انتاجها لتطبق على حياة الشعب الفلسطيني. فمن يراقب نهوض جدار العزل الاستيطاني الذي نهب الاراضي الفلسطينية وشطر القرى والمدن الفلسطينية الى ارباع وانصاف واثلاث بحجة الامن والحماية سوف يتأكد من فكرة اعادة التاريخ بطريقة كاريكاتورية. ومن يرقب المعابر الضيقة التي يعبر منها الفلسطيني كي يصل رحمه سوف يتأكد من هذا التوجه التاريخي الاحمق. ومن راى انشطار القدس الى الى اكثر من شطر شرقي وغربي سوف يتأكد من النية الاحتلالية التي تعمل على اعادة الظرف الذي يعيد انتاج الشخصية الفلسطينية بالكيفية ذاتها التي انتجت شخصية الجيتو اليهودي.
والمحزن ان الفعل الحصاري والاقصائي وربما التجويعي الجداري يجيء هذه المرة من دولة عربية بحجة الامن القومي والاستراتيجية الامنية لتبني جداراً فولاذيا بعمق يزيد عن الثلاثين متراً بين رفح المصرية ورفح الفلسطينية لمنع حفرالانفاق من جديد.
والمحزن ايضاً ان العالم يصاب في بعض مفاصله التاريخية بحالة من فقدان الذاكرة التي من الواجب عليها ان تقوده الى تذكر سور الصين العظيم الذي بُنيّ في ظروف عسكرية واحتمائية وتحول مع الزمن الى معلم سياحي يحتمل الدهشة الطفولية ، وتذكربناء سور برلين في اعقاب الحرب العالمية الثانية الذي تهدم بين ليللة وضحاها وابقوا على بعض اجزائه مشيدة للتفكه والتندر.
انها فكاهة الجدران التي تظل تقود التاريخ من ياقته المهترئة ليعاود اداء دوره الأُمي من جديد والتي تقودنا نحن ايضاً الى تلك المشاهدة البلهاء من جديد،
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور