في كتابه "البطء" يعمل الكاتب "ميلان كونديرا" على تعظيم فعل البطء عند الانسان ودعوته الى التخلي قليلاً عن هذه السرعة الهمجية التي تمثل ابرز ملامحه الحياتية العصرية. داعياً الى التعمق في المشاهدة وعدم ترك العين البشرية ترتع في كل هذا الغباء الذي ينطلي عليها بحجة عصر السرعة وافرازاته الموجعة.
والبطء عند كونديرا الذي يحول كتابه الى مايُشبه الورشة القرائية يعني التوقف قليلاً عن هذا الاندفاع الغبي باتجاه الحياة والتعامل معها بنوع من التريث القادر على منحنا نعمة المشاهدة الحقيقية للحياة والتمتع بأدق التفاصيل التي تنطوي عليها. ومحاولة جب المشاهدة السريعة للحياة واعتماد البطء في التعامل مع كل شيء.
وفلسفة البطء والدعوة الى ممارسته في ادق تفاصيلنا الحياتية تجعل الواحد مناّ يفكر حقيقة في الخسارات التي خلفها عندنا عصر السرعة واماكنية الحصول على وسائل الحياة باقصر الطرق المريحة.
فالوسائل المرورية المتاحة لانسان هذا العصر ابتداء بوسائل التنقل العادية ابتداء بالسيارة وانتهاء بالطائرات التي تتماهى مع سرعة الصوت تفقدنا خسارة مشهدية لجفرافيا كاملة. فالذي يقطع المحيطات والبحور والقارات في ساعات محدودة يفقد بالضرورة مشاهدة بحور ومحيطات وانهر وقارات. مثلما يفقد بالضرورة علاقة حميمة مع الطبيعة لها قيمتها في تعميق عين الانسان في المشاهدة.
والعلاقات الانسانية السريعة التي يضخها لنا يومنا الحياتي المعتاد يفقدنا ونحن نقسم هؤلاء الى اصدقاء وزملاء ومعارف الى لذة التعرف الحقيقي الى هؤلاء والتنعم بمزاياهم الانسانية التي تفور في اعماقهم ولا تجد الطريق القويم كي تُرى.
والاقبال على الطعام باعتباره من الوجبات السريعة يفقدنا بالضرورة لذاذة الطعم وصناعة الطعام بالطريقة التي تجعلنا نشعر باننا نحن من انتجنا هذا الطعام. ان هذا الطعام يبدو وكأنه مسروقاً من مطابخ سرية هدفها نهب جيوبنا. ان جبلاً كاملاً وبفضل الوجبات السريعة والجاهزة بات يعاني من فقره لقدرة التذوق وصناعة الطعام.
ان التبصر القليل في حياتنا التي تعتمد على السرعة في كل شيء يجعلنا نتأكد باننا نخسر الكثير من تنعمنا الحقيقي في الحياة ، وان معاداة البطء الى هذه الدرجة هو معاداة حقيقية للحكمة والتأمل.
دعونا اذاً نفرمل قليلاً ونوقف قاماتنا المندفعة بجنون باتجاه الحياة كي ننعم ببهجة الوعي وعمق المشاهدة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور