منذ الصيحة التي اطلقها المفكر العربي الراحل عبد الرحمن الكواكبي معاتباً قومه على قبولهم الذلة والخنوع ومطالباً اياهم بالنهوض في وجه الظلم والكتابات العربية والمقالات التي يحبرها المثقف العربي في الصحف والمجلات والزوايا تعتمد في بنائها الاساس على اسلوب الجلد الذاتي الذي يقودنا دائما الى منطقة الجروح والبثور في الجسد القومي العربي.
فالمثقف العربي الكاتب الذي استدل على كيمياء الكتابة واللغة وعرف طريقة كتابة الجملة الانشائية المؤثرة صار مثل الطبيب الذي يدل المريض على حالة الداء والوجع دون ان يستعمل مهاراته في وصف الدواء والعلاج. واصبحت الوصفة اليومية التي يقدمها الكاتب العربي في الصحافة العربية هي وصف للمرض الذي يشكو منه المريض اصلاً معتقداً هذا الكاتب او غيره ان مجرد مشاهدة المرض والنطق به يكفي لمعالجة المرض.
ان وجود الكاتب العربي في هذه المنطقة الضحلة فكرياً واصراره على الاقامة الدائمة فيها قد جعل هذا المثقف والكاتب يتطور من مرحلة توصيف المرض الى مرحلة هجاء هذه الامراض والتفنن في اطلاق المسميات الفكاهية عليها. بحيث صارت بعض هذه العبارات تبدو كلازمة لمطلع او وسط كل مقالة. وقد بات هذا يحدث بنوع من استمراء الكاتب لعملية مازوكية تقوم على التلذذ بالجلد الذاتي.
ان الواقع العربي السياسي والاجتماعي الذي بدأ يتعفن في مياه راكدة تاريخياً صار يعمل بمبدأ المغنطة لاقتياد العقل التنويري العربي الى مستوى هذا العفن واعماقه الآسنة بحيث تحول الكاتب العربي الى ناطق رسمي باسم هذا العفن ، وهو يصف لنا يومياً حجم الاوساخ والطحالب المقيمة في هذا المستنقع. دون ان يكلف نفسه عناء الاشتباك المعرفي الحقيقي والجاد مع هذا الوسخ المتراكم تاريخياً. وهذا ما جعله شريكاً استرتيجياً في تثبيت حالة الركود الفكري السائد.
ان حالة الجلد اليومي التي يقوم بها الكاتب العربي لواقع حالنا الاجتماعي هي عامل مساعد لابقائنا في مدار الوجع ذاته. هذا يحدث مع ان كاتبنا العربي يعرف تماماً ان التحولات الاجتماعية العميقة التي عاشتها شعوب الارض قامت على ذاك الوعي التطهري الذي عاشه كتابها وقدموا من خلال هذا الوعي التضحيات التي تدل مجتمعاتهم على مكمن العلة وعلى الدواء. وهذا للاسف ما لايقوى عليه كتابنا بعد ان اكتفوا بتوصيف الامراض التي نعرف جميعاً اوصافها وسر الامها.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور