تأتي حكومة عدنان بدران في ظل شروط سياسية حرجة على المستوى الإقليمي، مما يرتب استحقاقات كبيرة على الدبلوماسية الأردنية وعلى إدارة الحياة السياسية الداخلية؛ فقد غادرت حكومة الفايز بيضاء اليد من أية "سمعة تاريخية" سلبية لدى الأردنيين، في حين تواجه الحكومة الجديدة ملفات خطيرة مفتوحة بدا واضحا أنها تتطلب حكومة أخرى وزخما جديدا يزيل حالة الارتباك وتضع أجندة سياسية لمواجهة التحديات المتزايدة.
على الصعيد الخارجي أمام الحكومة الجديدة تحديات رئيسة أبرزها العلاقة مع الولايات المتحدة، إذ أثارت تصريحات ومقالات لبعض المسؤولين والإعلاميين الأميركان وتقرير وزارة الخارجية الأميركية الأخير،عن حالة حقوق الإنسان الداخلية وملف الإصلاح السياسي، تساؤلات فيما إذا كان هناك تحول قادم على صعيد العلاقة بين البلدين، بحيث يشكل ملف الإصلاح السياسي وقضية حقوق الإنسان أحد المعطيات الاستراتيجية التي تحدد طبيعة المرحلة القادمة، وهو الأمر الذي يرتب تحديا واضحا وجديا على عاتق الحكومة الجديدة في بناء معادلة تؤكد التوازن بين الاعتبارات الداخلية وبين متطلبات الإصلاح والتنمية السياسية، وهو أمر لا يقف عند حدود الخطاب الدبلوماسي الأردني ولكن يتطلب ممارسة سياسية داخلية تؤكد مصداقية هذا الخطاب. ومن المتوقع أن يمتلك بدران، الذي أمضى دراسته الجامعية والعليا في الولايات المتحدة، القدرة على تفهم الاراء السياسية الأميركية تجاه الأردن وعلى تحسين أداء الدبلوماسية الأردنية في هذا المجال.
أما التحدي الآخر الذي يفرض نفسه على أجندة الحكومة الجديدة؛ فهو مواجهة الأزمة الأخيرة للدبلوماسية الأردنية ومسألة الدور الإقليمي؛ إذ أدت أخطاء واضحة مؤخرا إلى الإضرار بالسياسة الخارجية الأردنية وصورة الأردن وحقيقة مواقفه السياسية في مؤتمر القمة الأخير في الجزائر، كما شهدت العلاقات الأردنية السورية توترا في الآونة الأخيرة.
لكن السؤال الأخطر في المرحلة القادمة هو سؤال العلاقة مع الطبقة السياسية العراقية الجديدة، خاصة بعد الأزمة الأخيرة في العلاقات التي وقفت وراءها قوى سياسية أرادت تخريب العلاقات السياسية الأردنية مع العراق الجديد. هذه المعطيات الاستراتيجية تتطلب قراءة موضوعية دقيقة للإبحار بالإقليم المضطرب، وتدفع باتجاه مراجعة الأخطاء الدبلوماسية الأخيرة، وتعريف المصالح الوطنية الأردنية، وتتمثل أبرز الأولويات بهذا الخصوص بالالتزام بسياسة الحياد الإقليمي الإيجابي مع دول الجوار، وبناء جسور التواصل مع القوى العراقية الرئيسة التي ستقود العراق وتصوغ المرحلة السياسية القادمة.
ومن الملفات التي حققت حكومة الفايز فيها تقدما واضحا -على الصعيد الخارجي- وقد تقطف الحكومة الجديدة ثمارها قريبا هو ملف الأسرى الأردنيين في سجون الاحتلال، إذ أعلن مؤخرا عن قرب الإفراج عن عدد كبير منهم، الأمر الذي سيلقى صدى إيجابيا -بالتأكيد- لدى الرأي العام الأردني، ويشجع على فتح ملف الأسرى الأردنيين في العراق.
بخصوص الشأن الداخلي هناك الكثير من الملفات المعلقة، ويأتي في مقدمتها ملف الإصلاح والتنمية السياسية الداخلية، ويرتبط به الكثير من الموضوعات الجدلية أبرزها الأزمة بين الحكومة والنقابات المهنية ومشروع الصوت الواحد الذي قدم في هذا السياق وأعاد مجلس النواب النظر فيه، ومشروع قانون الأحزاب السياسية المقترح، وعليه ملاحظات متعددة من القوى السياسية الأردنية، وتطبيق فكرة الأقاليم والمجالس المحلية المنتخبة بما يخدم مشروع التنمية السياسية والاقتصادية واللامركزية الإدارية، ومشروع الأجندة الوطنية الأردنية وما سينتج عنه من توصيات وسياسات. يضاف إلى ما سبق المعضلات الدائمة المرتبطة بالبطالة والفقر وموضوع تطوير الجهاز البيروقراطي وتحسين نوعية التعليم في مختلف المستويات.
لا شك أن التعاطي مع القضايا الداخلية سينطلق من التحديات السابقة وكلها تحمل قدرا كبيرا من الأهمية والمحورية والسخونة، وتفرض نفسها على أجندة الحكومة الداخلية، لكن السؤال الأهم المطروح هو: هل ستتجاوز الحكومة حالة الشعارات والوعود وشهور العسل الأولى مع القوى السياسية المختلفة وتخرج على الانطباع السائد لدى الرأي العام بجمود السياسة الداخلية أم ستؤكد الحكومة هذا الانطباع؟
من المبكر الحكم على هذه الحكومة إلاّ أن المؤشرات الأولية حول رئيس الوزراء وبعض الأسماء المتداولة تشير إلى أننا أمام حكومة ذات صبغة ليبرالية تكنوقراطية وهو مؤشر جيد ابتداء إذا كان يعني أن الحكومة ستقوم بقراءة موضوعية وعميقة للتحديات الكبيرة وتصوغ الأجندة المطلوبة وفقا لهذه القراءة مما يبتعد بنا عن الارتجال في التصريحات والمواقف وحالة النزق في التعامل مع الملفات المفتوحة وشخصنة الجدل السياسي الداخلي ويؤدي إلى انفتاح سياسي وحوار عميق مع القوى السياسية للمضي قدما في ملف الإصلاح، وهو ما نتمناه على الرغم من عدم وجود معرفة واضحة للرأي العام حول الرؤية السياسية لرئيس الوزراء الجديد .
المحك الحقيقي لا يقف عند حدود السمات الرئيسة للطاقم الوزاري الجديد وخلفياتهم المهنية والسياسية والاجتماعية؛ وإنما بمدى قدرتهم على التعامل مع الملفات والتحديات بدرجة من المؤسسية والمنهجية والموضوعية والاستمرارية، فالمطلوب من الحكومة الجديدة مراجعة ما قامت به الحكومة السابقة وغربلته وتطويره والبناء عليه، وتجنب الأخطاء المكررة، وتحويل الشعارات إلى خطط ورؤى عملية مدروسة.
في المحصلة، يبدو واضحا أن اختيار رئيس الوزراء الجديد يأتي في سياق اختراق حالة تدوير النخب السياسية الأردنية، وإيجاد نخب سياسية جديدة بكفاءة أكبر في التعامل مع المتغيرات والمعطيات الاستراتيجية الجديدة، وهو نفس السياق الذي يمكن أن نفهم فيه فكرة الأقاليم المحلية، وهو تحد نتمنى أن تشكل الحكومة حجر الأساس في التعامل معه باقتدار.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد