-1-
أيدلوجيا النهضة
يقدم رضوان زيادة (الباحث السوري) المتخصص بالفكر الإسلامي قراءة نقدية تحليلية لتطور الفكر الإسلامي في العصر الحديث، ابتداء من عصر النهضة وصولا إلى الحالة الراهنة، محقبا مساره من خلال عدة مراحل رئيسة" مرحلة الخطاب الإصلاحي (جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، ابن أبي ضياف، خير الدين التونسي) فالخطاب النهضوي (مالك بن نبي) وغيره، ثم خطاب الهوية الإسلامية (فترة الصراع السياسي الداخلي المرتبط بإرهاصات خروج الاحتلال وتشكل الدولة القطرية العربية، والاشتباك الإسلامي العلماني، وأخيرا العودة إلى المطالبة بالنهضة واستعادة الخطاب النهضوي الأول.
وينطلق زيادة من ذات التحقيب والرؤية التي قدمها قبله عدد من الدارسين والباحثين في الفكر الإسلامي كعبد الإله بلقزيز (خاصة في كتابه الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر) ورضوان السيد (في كتابه سياسات الإسلام المعاصر)، إذ يسير في نفس سياق التقسيم: الإصلاحية / النهضوية، الإحيائية (خطاب الدولة الإسلامية ومفاهيم الحاكمية والجاهلية)، الإصلاحية الجديدة، ويعالج موضوعات مشابهة كثيرا للموضوعات التي ناقشها هذان الباحثان، باختلاف بعض التفاصيل في التفكير والتحليل، وإن كان يصعب علينا في كثير من الأحيان الوصول إلى مساحة جيدة تميز مجهودات زيادة عن المجهودات السابقة في كثير من فصول الكتاب، وتدفعنا إلى الاعتراف بوجود مساهمة حقيقية له في تناول تطور الفكر الإسلامي، وربما نجد هناك تشابها كبيرا بين ما ناقشه زيادة وبين ما ناقشه فهمي جدعان قبل سنوات طويلة في كتابه "أسس التقدم عند مفكري الإسلام".
في المقابل فإن الفكرة الرئيسة للكتاب تثير الجدل وربما الاشتباك بينه وبين القارئ، وجوهر هذه الفكرة انتقاده للدعوات المتزايدة اليوم من قبل أطياف متعددة من المفكرين والدارسين الإسلاميين بالعودة إلى تراث عصر النهضة العربية الحديث واستلهام فكر الإصلاحيين الأوائل، هذه الدعوة التي يرى زيادة أنها بدأت تقترب من حالة الانجاب الشديد والهيام بذلك العصر، دون قراءة الشروط التاريخية والإكراهات الواقعية التي ساهمت في طرح الأسئلة وصوغ الإجابات المختلفة من قبل ذلك الفكر عليها، ودون تناول ذلك الفكر برؤية نقدية تحليلية تبتعد به عن الهالة التي صار عدد من المفكرين والدارسين يسجيها عليه، الأمر الذي يصفه زيادة بأنه تحول إلى حالة أيدلوجية "أيدلوجيا النهضة" تمنع من وجود قراءة نقدية حقيقية لفكر النهضة .
ويستند زيادة في انتقاده لما يسميه بفكر "أيدلوجيا النهضة" إلا أن جزءا حيويا من ذلك الفكر ارتبط بالسلطة والحكم، فعدد من مفكري النهضة هم "مفكرو سلطة" ويصب إنتاجهم الأدبي في سياق خدمة السلطة واستقرارها وتفاعلها مع الظروف المحيطة والمتغيرات العديدة، وأبرز الأمثلة على ذلك كتاب خير الدين التونسي "المسالك"، وصل الكاتب إلى زبدة الكتاب بانتقاد الدعوة القائمة بالعودة إلى عصر النهضة، والانطلاق بتفكير جديد يتلاءم مع روح العصر والشروط التاريخية الحقيقية التي يتفاعل معها الفكر الإسلامي اليوم.
في مناقشة أفكار زيادة، يجدر التنويه بداية إلى الجهد الكبير الذي بذله في استقراء وتحليل مصادر الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر، وبالروح النقدية التحليلية التي ميزت الكتاب، وإلمامه بالقضايا والإشكاليات الرئيسة التي شكلت جدل الواقع وفرضت التحديات والأسئلة على استجابات الفكر الإسلامي عبر مراحل تطوره المختلفة. إلاّ أن دعوى المؤلف بنقد الاحتفاء بفكر عصر النهضة اليوم تتناسى تماما حالة التجاهل والإهمال الكبير الذي عانى منه هذا الفكر في العقود السابقة، بدعاوى متعددة من قبل عدد من الدارسين والمفكرين تارة باتهام هذا الفكر بالماسونية (نموذج جمال الدين الأفغاني)، وتارة بالتعاون مع الاحتلال والمبالغة في العقلنة والتأثر بالعلوم الحديثة (نموذج محمد عبده) وتارة بالتحالف مع السلطة وخدمتها (نموذج محمد رشيد رضا وخير الدين التونسي والطهطاوي) وتارة بعدم إدراك هذا الانتاج (نموذج مالك بن نبي). لقد صدرت "فتوى فكرية" وفقهية تاريخية –غير مباشرة- تدعو إلى مصادرة وإهمال فكر عصر النهضة، قدم لهذه الفتوى محمد محمد حسين وأكد عليها محمد قطب ومفكرو السلفية اللاحقون، كجمال سلطان وغيره. وما حدث أن هذه الفتوى بنت جدارا حقيقيا بين الحالة الإسلامية وبين الإفادة من تراث عصر النهضة، إلى أنْ حدثت جملة من المتغيرات العالمية والفكرية –لا مجال للحديث عنها الآن- ارتبطت بوجود حالة اجتماعية تتجاوز فكر "الإحيائية الإسلامية" أعادت الاعتبار لمفكري عصر النهضة وإنتاجهم الأدبي والفكري، فرجع كثير من الدارسين والباحثين والإسلاميين اليوم إلى هذا الفكر يتحاورون معه ويحللونه ويدرسونه من جديد، وعقدت العديد من المؤتمرات لدراسة مفكري النهضة، وهو حق طبيعي لمفكري النهضة بعد هذه العقود من التجاهل الكبير، وهنا لا بد من توضيح أمرين رئيسين في مناقشة زيادة؛ الأول أن الاحتفاء بفكر النهضة وإعادة الاعتبار له شيء وتقديسه شيء آخر، وأعتقد أن الحالة الموجودة اليوم هي حالة دراسية بحثية نقدية، وليست حالة تقديسية. الثاني أنّ الدعوات التي تنطلق وتطالب بالرجوع إلى مفهوم النهضة لا تطالب بتكرار واجترار ما أنتجه ذلك الفكر، وإنما بالتواصل معه بتمييز بين ما يمكن البناء عليه وبين ما يرتبط بالشروط التاريخية. وهذا ما يميز خطاب ما يسمى الفكر الإسلامي الجديد والذي يتصالح مع منطلقات الإصلاحية الأولى ولا يحاربها، ويبني عليها، والأهم من ذلك أنه –كما يوضح المسيري- ينعتق من صراع الهوية السياسية إلى متطلبات النهوض والتنمية ويخرج من ريقة الدولة والسلطة إلى فضاء الأمة، وهي ذات الشواغل التي فرضت نفسها على الإصلاحيين الأوائل وعدنا إليها اليوم بعد مرحلة وفترة طويلة من النكوص الفكري.
-2-
قتل الشهود!
ارتبطت الحرب العسكرية منذ الأمد البعيد بالجانب الدعائي والإعلامي، وشكلت "الدعاية" جزءا رئيسا من الصراع النفسي المتبادل بين الأطراف المتحاربة، وقد تطور مفهوم الحرب النفسية بدرجة كبيرة في القرن الأخير، إذ برز دور المذياع في الحرب العالمية الثانية، ووظف المعسكر الغربي الدعاية والإعلام الثقافي ضد المعسكر الشيوعي "الحرب الثقافية الباردة"، الأمر الذي كان له أثر كبير في ترويج النموذج الثقافي الغربي في الشرق وفي المجتمعات الشيوعية. وشهدت حرب الخليج الثانية دورا ملحوظا للإعلام وتميزت بهذا الخصوص قناة السي إن إن ونالت شهرة عالمية.
إلا أن النظر إلى دور الإعلام في الحرب تطور بشكل ملحوظ، خاصة في مراكز الخبرة الأميركية، إذ صدرت عدة دراسة عن مؤسسة راند (1999) تتحدث عن الحرب الافتراضية، وتؤكد على أهمية الإعلام المتزايدة في الحروب، إلى درجة باتت تعتبر فيها هذه الدراسة –وغيرها من الدراسات- أن الأهمية القصوى في الحروب هي للإعلام وليس للجيوش، وأن مفهوم الحرب قد تغير وأن الدول الآن قد لا تحتاج إلا إلى قوات تكتيكية محدودة على الأرض وتحتاج في المقابل إلى دعاية إعلامية كبرى لخلق قناعات لدى الخصم تعمل على وصوله إلى مرحلة الانهيار النفسي والقبول بالدعاية التي تروج ضده.
هذه المفاهيم الجديدة في الإعلام والدعاية في الحروب وجدت تطبيقا حيويا وكبيرا لها في حرب العراق الأخيرة والتي وظفت الإدارة الأميركية جزءا كبيرا من جهودها في مجال الدعاية والإعلام، وعملت على تقييد الحريات الإعلامية في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية والحليفة، للسيطرة على الصورة المنقولة والمبثوثة والمعلومات المتداولة، وصولا إلى التحكم بالمعلومات، الأمر الذي يؤثر بدرجة كبيرة على معنويات الخصم وعلى الرأي العام العربي والغربي، في هذا السياق ظهر مفهوم "الصحفي المندمج"، إذ اشترطت الإدارة الأميركية على وسائل الإعلام الأميركية والأخرى تحديد أسماء المراسلين ومرافقتهم للجيش الأميركي ومراقبة التقارير التي تبث، الأمر الذي يعني منطقيا تحول الصحفي والإعلامي إلى جزء من الدعاية والعسكر الأميركي. لكن المشروع الأميركي اصطدم بدور بعض القنوات العربية كالجزيرة وغيرها والتي خرجت على النص الإعلامي الأميركي، وخربت جزءا كبيرا من الدعاية الأميركية، الأمر الذي استفز الإدارة الأميركية ودفع بها إلى مهاجمة الجزيرة، وأدى الامر في النهاية إلى قتل طارق أيوب وعدد من الصحفيين "غير المندمجين" في قوات التحالف، لكن بقي الدور الذي أدته الجزيرة تاريخا ومميزا إلى درجة وصف بها عدد خبراء الإعلام الغربي حرب العراق الأخيرة بأنها حرب الفضائيات وبالتحديد حرب "قناة الجزيرة".
السجال الفكري والتحليلي حول دور الإعلام في الحرب الأخيرة انعكس بشكل رائع ومتقن بكتاب الزميل باسل النيرب "قتل الشهود الاغتيالات الأميركية للصورة الإعلامية العربية" (الصادر مؤخرا عن دار غيناء للنشر والتوزيع)، والذي يبرز فيه من خلال منهج متسلسل قصصي مبني على شهادات الإعلاميين الذين غطوا الحرب الأخيرة ،والممارسة الأميركية ضد الحرية الإعلامية وبشكل خاص العربية.
قتل الشهود يقرأ بأكثر من دلالة ومعنى؛ فهو قتل للإعلامي العربي الذي نقل الحرب بأمانة وموضوعية، فدفع ثمن ذلك من حياته (طارق أيوب نموذجا)، وهو قتل للشهادة الإعلامية الحرة وفرض رقابة صارمة على الإعلام، وهو قتل للشهادة الجريئة على جرائم الاحتلال ضد المدنيين والأبرياء العزل خلافا للدعاية الاميركية، وللأسحلة الذكية (التي ثبت أنها غبية بالوجه الشرعي القاطع)!.
"قتل الشهود" كتاب وثائقي متميز لباسل النيرب، يؤكد على تقارير المنظمات الدولية "مراسلون بلا حدود" والعفو الدولية وغيرها على الانتهاكات الأميركية لحقوق الصحفيين والإعلاميين، انتهاك لحقهم في الممارسة الإعلامية الحرة، وانتهاك لحرمة حياتهم باستهداف قتلهم منعا لانتشار الشهادة الإعلامية الصحيحة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد