حينما تنهض من فراشك الصباحي وتحس بأنه يريد ان يظل ملتصقاً بك بكل كوابيسه الليلية وتحاول تحت هذا الثقل الفراشي المباغت ان تتذكر في اي نوع من الصباحات انت وتبدأ باستدراج ذاكرتك النهارية من جديد وتفشل وانت تزيح كوابيس الليلة الفائتة بكل ما فيها من سذاجة وخرافات صارت تنهب روحك في كل ليلة فعليك ان تتحسس رأسك.
وحينما تحاول ان تمسك بالصباحات كما اعتدت سابقاً ان تمسكها بالتنشط الاكيد للاوكسجين ومحاولة فك اضلع النافذة كي تطل عليك خضرة الحديقة بأشجارها التي تبدو منحنية بذبول مباغت يفسد طعم القهوة الصباحية في الفم ويبدو الافق الصباحي مريضاً الى هذا الحد فعليك ان تتحسس رأسك.
وحينما تحاول القبض على اي حالة تنعش روحك كما اعتدت في كل الصباحات وتؤثثها بتلك الارتعاشة التي تؤثث يومك بجمالية خاصة ومدهشة فتستعصي عليك كل الحالات لتأخذ طعماً بلاستيكياً تحسه باردا وخانقاً فعليك ان تتحسس رأسك.
وحينما تحاول ان تستدعي الاصدقاء الذين عرشوا طويلاً فوق روحك فلا تجد إلا امكنة فارغة تنعيهم الواحد تلو الآخر في غياب يصعب عليك تبريره.
وحينما تحاول ان ترتدي ملابسك فتبدو الملابس وكأنها قشرة سلحفائية ثقيلة والحذاء اللامع محض فكاهة تشتت فكرة المسير في الازقة والطرقات. وتحس بأن باب الشقة الذي يقذفك في كل صباح الى خارج بيتك وكأنه يمد لسانه لك مماحكاً فعليك ان تتحسس رأسك.
وحينما تأخذك الطريق الغبية التي صارت خطواتك تحفظها عن ظهر قلب نحو السيل البشري المتدفق في وسط البلد تأخذك اليافطات والمحال التجارية وباعة الارصفة والملابس العتيقة المعروضة برسم البيع ترفرف كرايات مهزومة ومجانين قاع المدينة واختلاط الاصوات وتحاول ان تجد اي صلة لك بكل هؤلاء وتفشل فعليك ان تتحسس رأسك.
وحينما تنظر الى الشمس في كبد السماء فتراها بأشعتها المنكسرة وسط غيوم طارئة وتشعر بأنها تعاني من مرض اشعاعي مزمن وهي تبذر ظلالها على الوجوه والامكنة وتحاول ان تستجير بأشعتها الشتائية المتراقصة فتراها تختفي في ظلال نهارية كئيبة فعليك ان تتحسس رأسك.
وحينما تحاول ان تقترح يومك كالمعتاد على المدينة وتراها تدير ظهرها لك كفتاة مراهقة نزقة وهي تقهقه تلك القهقهة العمرية اللاذعة فعليك ان تتحسس رأسك. لا بل عليك ان تقتلع رأسك من عنقك وتضعه امامك وتهزه تهزه كثيراً حتى يفرغ من كل هذه الترهات التي اسميتها وتبدأ بتأثيث حياتك من جديد وتهز قبضتك في وجه العمر المشاغب متوعداً كعادتك في كل الخسارات.
وتبدأ في الحياة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور