كعادتهم في كل شتاء وحينما يبدأ البرد القارص بالتغلغل في الجلد والعظام وارتعاش الايدي ، تجلس العائلة بكامل طاقمها البيتي حول المدفأة في تلك الغرفة الكبيرة. غرفة العائلة.

الى ذلك تبدأ العائلة في استعراض اليوم الشقي للبيت. تتحدث الام عن قائمة الاحتياجات التي باتت ملحة وتحتاج من رب العائلة الى همة زائدة واضافية كي تسدد كل هذه الاحتياجات. وهنا ينتفض الاب الشقي حد الاختناق بالعمل والراتب الذي يقطعهم في كل منتصف شهر لتبدأ رحلة الانتظار والاستدانة من البقال وبائع الخضار ومن المخبز احيانا. ويبدأ الاب على الاغلب بتقريع الام التي على عادتها اليومية هذه في استذكار المصائب المادية داعياً إياها الى ان تنعم بالدفء وسط هذا البرد القارص.

يستجيب الابناء لدعوة الوالد ، ويبدأون بالالتفاف حول المدفأة بحميمية يدفعها البرد وصوت الرياح في الخارج ، وتبدأ هنا علاقة غامضة بين الشعور بالدفء والخيال الجامح لافراد العائلة الذين تنتفض ابدانهم برداً من هول الرياح والرعود في الخارج.

يمر الوقت بطيئاً بطعمه الشتوي ، ولأن كل فرد من العائلة لف جسده برداء صوفي ، فإن النعاس يبدأ بالتسرب الى الاب والام والاولاد بنوع من السحر الغامض والمطلسم. تحاول الوالدة ان تصحو كي تخرج المدفأة خارج الغرفة لكن النعاس يأخذها ، تحاول ان تنادي على رب العائلة فتجده يغوص في نوم عميق. تنظر الى بكرها اكبر الابناء تحاول ان تنادي عليه لكن صوتها يخونها. وتغيب الام في نومها العميق.

عائلة بكامل فقرها اليومي تلتف حول المدفأة وتغيب في نوم عميق يصعب الصحو منه او التخلص منه للحظات فقط تكفي لإطفاء المدفأة التي تظل مشتعلة حتى الصباح.

يمر الليل بطوله ويأتي الصباح ويظل بيت العائلة يغرق في النوم العميق حتى يأتي الجيران الذين يشتبهون في العائلة الذي كان ضجيجها يوقظ الجيران في كل صباح وحينما يخلعون عليهم باب الغرفة يجدونهم وقد التفوا مثل حبات المسبحة حول تلك المدفأة وقد فاراقوا الحياة جميعاً اختناقاً.

هذا يحدث في كل شتاء وتكرر قصص الموت العائلي الاردني الجماعي حول المدفأة في كل شتاء.

فقهاء الموت يسمون هذا الموت بالموت اللذيذ. اللعنة.. وكأن الموت يحتاج الى تسميات سوى انه الموت،،.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور