نقابة الاطباء ومع بداية عهد مجلسها الابيض الجديد قررت العمل على تعديل لائحة الاجور الطبية، ومصطلح "تعديل" تستخدمه الحكومة وكل جهة للتخفيف من آثار كلمة "رفع الاسعار"، اي ان النقابة ستعمل على رفع اجور الاطباء، وسينعكس هذا على اجور العمليات ايضا وتكلفة كل فعل طبي يشارك فيه طبيب.
والقضية الاساسية ليست في رفع الاجور الطبية لكنها في المنطق الذي نتعامل به جميعا. فعندما تقوم الحكومة برفع اسعار او زيادة ضرائب نقف جميعا ضد هذا ويجب ان نقف، وتقف ايضا النقابات ومنها نقابة الاطباء وتؤكد ضرورة تخفيف الاعباء عن المواطنين، وتقدم الحكومة تبريرا بأنها لحماية بنية الاقتصاد الوطني، وانها ستجد الطرق لمساعدة ذوي الدخل المحدود.
من الواضح اننا جميعا نمارس "منطق الحكومة"؛ لأن نقابة الاطباء ترى ان مصلحة المجلس الجديد ان يقدم خدمة لأعضاء النقابة برفع اجورهم التي يتقاضونها، لهذا تتجاوز حكاية رفع المعاناة عن المواطنين, وتتغاضى عن حقيقة ان شريحة واسعة من المواطنين رواتبهم محدودة، فتتحرك تحت هاجس خدمة اعضائها.
وهنالك اصحاب شركات ادوية بمثابة "حكومة"، ايضا، لكن حكومة لمصالحهم وتجارتهم، ولهذا يسعون ما امكنهم الى رفع الاسعار في كل فرصة ويحددون لأنفسهم اعذارا ومبررات، فالمهم مصالح هذا القطاع.
وهنالك مدارس خاصة، ايضا، مثال على السعي لمصالحها، فهي "حكومة"، لهذا عندما لا يستطيعون رفع الرسوم تكون عملية رفع اجور الباصات على الطلبة بحجة رفع اسعار الديزل. طبعا لا ينعكس هذا، بالضرورة، على مستوى الخدمات المقدمة للطلبة ولا على رواتب المعلمين والعاملين في هذه المدارس.
بعض مصانع الحديد، التي كانت مدللة بسبب انحياز حكومات لها، ترفع الاسعار وتجد لنفسها مبررات. والاسمنت حكاية اخرى، فترفع الاسعار بأعذار متعددة، وتخفف الكمية في السوق فتُصنع ازمة وتحدث حالة من الاحتكار، ويتعذب المواطن حتى يحصل على حاجته.
حتى "علبة اللبن" او "اللبنة"؛ إذ تقوم "حكومة مصانع الألبان!" برفع أسعارها بين الحين والآخر، والحجة ارتفاع اسعار الديزل او غيره. واذا انتقلنا الى الخضار نجد من تجارها وسماسرتها من يبرر رفع اسعارها.
لو بقينا ننتقل من سلعة الى اخرى ومن قطاع إلى آخر سنجد لكل واحد منها منطقا "حكوميا" يسعى لرفع الاسعار.
فمن يبررون لأنفسهم رفع أسعار منتجاتهم أو خدماتهم يمارسون نقداً ورفضاً لسياسة الحكومة في رفع الأسعار. والمفارقة أنّ نسبة كبيرة من شركات القطاع الخاص التي ترفع أسعارها بخيلةٌ على موظفيها، بصورة لا تختلف عن زيادات الحكومة لموظفيها.
بالطبع ليس المقصود ان نبرر للحكومات رفع الأسعار. فهذه السياسة أرهقت كاهل الناس، لكن لكل قطاع "حكومة" تحرص على مصالحها، ولو على حساب قدرة الناس في مجالات مختلفة حيوية كالصحة والتعليم والنقل والطعام والبناء. فالكل يبحث عن مصالحه والكل ينتقد الحكومات، لكن عندما تكون المصلحة الخاصة لقطاع معين يتحول إلى حكومة ويرفع الأسعار والتكلفة متجاوزاً الحديث السابق عن معاناة المواطنين وارتفاع تكاليف الحياة بما يفوق قدرات الناس الاقتصادية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة