سياسياً، حسمت الحكومة خيارها في التعامل مع مفردات الساحة الفلسطينية بالانحياز الى رئاسة السلطة، على قاعدة ان هنالك توافقاً في المصالح والموقف السياسي من التسوية والمفاوضات، بل والموقف من القضايا الاقليمية؛ ولم يعد مجدياً مطالبة الحكومة بالوقوف في منتصف المسافة بين حماس وفتح؛ فالمساندة السياسية هي لرئاسة السلطة، مع وجود بعض القنوات الامنية مع حركة حماس.
لكن حتى هذا الموقف الرسمي، سواء قبلناه أم رفضناه، يحتاج الى ادارة وحسابات، لأن السلطة الفلسطينية وحزبها حركة فتح يعيشان اسوأ مراحلهما؛ والأخيرة حركة مكتظة بالخلافات والاستقطابات والهزائم، ورئاسة السلطة لا تعاني من ضعف فقط بسبب السياسة الصهيونية، وإنما لأنها اهدرت كل نقاط قوتها، بل وأضاعت فرص بناء مؤسسات دولة، لأنها منذ ان نشأت على اتفاق اوسلو نقلت اليها كل امراض وعيوب العمل الثوري الذي كانت تعانيه منظمة التحرير وفصائلها، وأضافت اليها عيوباً وفساداً مزدوجاً، هو فساد الثورات وفساد الانظمة، ليكتشف الفلسطيني والعربي ان الجهود الاسرائيلية تضافرت مع امراض السلطة في الوصول الى بنية هشة لمؤسسات الأخيرة.
الحكومة منحازة سياسياً الى رئاسة السلطة، لكن عليها ان لا تذهب في انحيازها الى تحمل اعباء الضعف والترهل والاستقطابات، وحتى الفساد السياسي والمالي داخل السلطة وحزبها. واذا كانت الحكومة قد اختارت ان لا تقف في منتصف المسافة بين حماس وفتح، فإن هذا لا يعني ان تدخل خطوات داخل جسم السلطة؛ اي ان لا تتحول مشكلات السلطة وحزبها مشكلات على عاتق الاردن، وان لا يكون الاردن جزءاً من معادلات الاستقطابات داخل جسم رئاسة السلطة والحزب الحاكم.
بعض الاصوات الفلسطينية منسجم مع الخيار الاسرائيلي الذي يعتقد ان الوضع السياسي الفلسطيني وصل الى مرحلة من البؤس والتردي مما يجعله حالة ميؤوسا من اصلاحها، وأن الخيار هو وضع الضفة الغربية تحت حكم الاردن وفق عنوان الفيدرالية او الكونفدرالية. ولا نستغرب ان دعاة هذا الطرح، اميركياً وإسرائيلياً وفلسطينياً، يعتقدون ان عليهم العمل على الذهاب بالوضع الفلسطيني الى ما يستطيعون من الضعف والتفكك والمعاناة، لأن هذا سيخدم خيارهم، بل سيكون من ادوات الضغط على الاردن والفلسطينيين لقبول هذا الخيار؛ وبدلاً من خطر الهجرة تحت ضغط سوء الاحوال او التهجير القسري، سيكون الحل هجرة النظام السياسي الاردني الى الضفة الغربية.
التجارب الطويلة اثبتت ان على الاردن ان يراهن على مصالحه الوطنية والعربية، وعلى دعم القضية الفلسطينية كقضية عربية، لكن بذل كل شيء، بما في ذلك التحالفات الخاسرة، تحت عنوان دعم خيار التسوية، امر يحتاج الى مراجعة، لأن اميركا واسرائيل ليستا معنيتين بالتسوية، والسلطة ورئاستها عاجزتان عن صناعة حل سياسي مع اسرائيل. ولهذا، فعلينا ترشيد بعض الخطوات، لأن ما يجري يجعلنا نرى استغراقاً في القضايا الاجرائية والاسعاف الاولي، مرة لآثار السياسات الاسرائيلية، ومرة لضعف وتردي الوضع الفلسطيني، ومرة للوعود الاميركية التي لا مصداقية لها.
اذا كان الاردن قد حسم خياراته بأن لا مطمح له في الملف الفلسطيني، فإن ما هو اهم ان لا نتحول نحن الى ورقة من اوراق حلول الملف الفلسطيني، او خياراً سياسياً لأطراف اقليمية تتواطأ معها اطراف فلسطينية، وربما محلية.
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة العلوم الاجتماعية