خلال الأيام الماضية حملت بعض الصحف والمواقع الإعلامية أخبارا ونفيا عن تقديم وزير المياه استقالته إثر تسمم مئات المواطنين في قرية المنشية في محافظة المفرق، طبعا المواطن لا يتوقف عند هذه الأخبار لأنه يعلم أن المسؤول لدينا لا يستقيل حتى لو جرى في دائرته أو وزارته كل شيء، والبعض يرى أن استقالته قد تحجب عنه العودة للمواقع مرة أخرى، وما تعودناه أن يطلب من المسؤول الاستقالة، وليس المبادرة والاعتراف بالخطأ.
هذا الكلام لا يعني أننا نحمل المسؤولية لوزير المياه. فالتحقيق، كما تقول الحكومة ما زال جاريا، لكننا نتحدث عن مبدأ المحاسبة، وقد سبق للحكومة أن مرت بتجربة التقصير وسوء الإدارة في أزمة الثلجة قبل أشهر، وقالت للناس في حينها إن العقوبات ستكون سرية ولن تعلن، ولا ندري إن تم معاقبة المقصرين أم لا!
ويوم الخميس، وعلى هامش لقاء في ديوان التشريع، قدم رئيس الوزراء توضيحا لما جرى في بلدة المنشية، والخلاصة أن سبب تسمم مئات المواطنين وفق أرجح التحليلات الحكومية هو تسرب فيروس الأميبا الى مياه الشرب نتيجة انفجار خط المياه، وبعيدا عن التفاصيل؛ فإن التفسير الذي تحدث به رئيس الوزراء يعني أن هناك تقصيرا من الجهة المسؤولة عن تزويد القرية بالمياه، وكما قال الرئيس فإنه يعتقد أن هناك تقصيرا، والتقصير يعني وجود مقصرين، والمقصر يحتاج الى محاسبة.
ما نتحدث عنه ليس خاصا بتسمم أبناء المنشية بل بمبادئ الإدارة والحكم. فتكرار التقصير والأخطاء من دون حساب أو عقاب معيار ضعف للحكومة، والعقاب ليس للصغار بل لمن يحملون المسؤولية، وهنا نتحدث عن تسمم مئات المواطنين. فلو ضرب أحدنا مواطنا بسيارته وكسر يده مثلا لاحتاج الى عطوات وجاهات للصلح، ويدخل السائق السجن حتى يخرجه أهل المتضرر، ويتكفل السائق بدفع تكاليف العلاج وتمتد القصة أسابيع وشهوراً، فكيف عندما يكون الخطأ والتقصير بحق مئات الأردنيين، ويؤدي إلى معاناة للأطفال وخوف لدى الكبار والصغار فمن يتحمل مثل هذا؟!
وإذا انتهت تحقيقات الحكومة إلى أن السبب هو تلوث المياه، فليس هناك ما يمنع من استقالة وزير المياه وآخرين معه احتراما لحياة الأردنيين وصحتهم. فالمواطن ليس مطالبا قبل أن يفتح الحنفية أن يتتبع خط سير خطوط المياه فيما إذا كانت ملوثة أم أصابها عطل أدخل اليها الفيروس! بل مهمة الوزارة والحكومة بمن فيهم الرئيس المحافظة على حياة الناس حتى من الفيروس والقيء والإسهال.
المرض والإرباك والسهر ودخول المئات الى المستشفيات يستحق من الحكومة أن تتحمل المسؤولية، وإذا كان التقصير من وزارة المياه فلتكن استقالة الوزير، ليس لأنه مسؤول عن إصلاح المواسير وخطوط المياه، بل لأنه مسؤول عن إدارة الوزارة، ولو كانت الإدارة بلا ثغرات لخاف الموظف الصغير والمدير الفرعي عندما يترك خط مياه أياما وليالي ليكون مصدر تسمم لمئات الأردنيين.
نتذكر عام 1998 عندما كانت قضية تلوث مياه زي التي تشرب منها عمان أو أجزاء منها، ولأن الحكومات اعتادت على المكابرة فالمسؤولون آنذاك لم يفكروا بالاستقالة أو تحمل المسؤولية إلا بعد أن طلب منهم ذلك.
معاقبة مسؤول أو استقالة وزير أو مدير لن تغير التاريخ لكنها مؤشر حقيقي على مؤسسية الدولة واحترام حياة الناس وحقوقهم، أما إذا كانت مقابلة التقصير بالتبرير والتغطية فهذا مؤشر على أمور أخرى.
في قضايا الفساد هنالك مقولة شعبية تقول "لدينا فساد وليس لدينا فاسدون" ويمكن أن نضيف إليها أن لدينا تقصيرا وليس لدينا مقصرون, فتسمم ما يقارب من (600) مواطن أردني يستحق العقاب للمسؤول حتى لو وصل الأمر الى معاقبة كل الحكومة سياسيا.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة