أحد القراء الكرام يقدم تعريفا للانتماء على أنه ناتج عن علاقة الإنسان بالأرض. فالإنسان الذي لا يملك علاقة بالأرض التي يقيم عليها سواء كانت وطنه أو أرضا هاجر إليها طوعا او كرها لا يملك انتماء حقيقيا، ولهذا فأقوى انواع الانتماء هو الذي يصنعه الانسان مع وطنه الذي ولد وعاش فيه.
وما يتحدث عنه هذا القارئ هو الانتماء الحقيقي وليس القائم على الانشاء وخطابات المناسبات التي تذهب الى ابعد أعماق البلاغة والإنشاء وإلى أقل مستويات الصدق، تماما مثل حديث الخطيب إلى خطيبته، او العشاق الذين يمارسون التسلية.
وهنالك علاقات لا تقرأ منها أي علاقة بالجغرافيا والأرض ولا حتى مفهوم المصلحة الدائمة، فالتعامل بالقطعة! فالأرض بالنسبة له مهمة لحظة يستفيد منها، والوطن الذي ينتمي اليه بأوراق رسمية تنتهي علاقته به حسب المصلحة الآنية، تماما مثلما يدخل احدنا الى مكان للنزهة فيكون حريصا على هذا المكان ما دام "يستعمله"، وعندما يجمع حاجاته لمغادرة المكان فلا يتردد في العبث به ورمي القمامة فيه.
وهكذا فبعض العلاقات للبشر مع الجغرافيا التي يعيشون عليها لا تختلف عن العلاقة مع سوق حرة او منطقة ترانزيت، المهم الحصول على أكبر قدر ممكن من الاعفاءات والامتيازات، أما استقرار هذه "الجغرافيا" ومصلحتها فهي تهمه ما دام فيها، اما ان انهى الاستعمال وانتهت فائدته بالنسبة له فلا يهمه ان احترقت، وحدث لها أي شيء.
بعض علاقات الانتماء لا تختلف عن علاقة العامل بمدينة العمال يرى فيها مكانا للإقامة والعمل، والغرفة التي يقيم فيها مهمة ونظيمة ما دام يسكنها، لكن لو انتقل الى غرفة اخرى او مصنع اخر، فعندها لا شيء يمنعه من كسر الضوء او الكتابة على الحائط او حتى ترك الحنفية (تنقط)، فالمكان ليس له ولا علاقة له به، انها علاقة الاستخدام والاستعمال وليست علاقة ارتباط وانتماء.
وبعيداً عن التفاصيل فإن الانتماء القائم على العلاقة مع الارض ومن عليها وعلاقة الاستعمال اشبه بعلاقة الرجل مع زوجته وبيته، وبين علاقات طارئة مع امكنة او بشر، ولهذا فالشعور بعلاقة حقيقية وصادقة مع الارض والارتباط الكامل معها كحاضر ومستقبل واخطار ومصالح يشكل احد جوانب الانتماء، ولهذا عندما يراد تقويم علاقة أي مجموعة او اشخاص مع الارض التي هم عليها، فالفيصل هو هل هي علاقة استخدام واستعمال ام شعور بالارتباط العضوي، وعلى هذا فالاستخدام له قوانينه وقائمة حقوقه وواجباته والانتماء الجاد له قائمة حقوقه وواجباته وقوانينه الانسانية والسياسية.
احيانا تجد مجموعات هاجرت بلادها الى قارات اخرى وعاشت فيها سنوات وعقودا واتقنت لغتها وامتلكت فيها مصالح واموال واتقن اولادهم لغة وثقافة واخلاق تلك البلاد، لكن الانتماء لم يتحقق، لان بعض هذه المجموعات بقيت تتعامل مع تلك الارض باعتبارها لغايات الاستخدام او كمدينة عمال حتى وان كانت مدنا مترفة وكبيرة، وبقيت تنظر الى هذه البلاد باعتبارها ليست ارضها ولهذا لم تنشأ أي علاقة انتماء.
وعند دراسة أي علاقة بين أي شخص أو مجموعة سكانية والارض التي يعيشون عليها يفترض ان نقرأ جيدا النظرة الى هذه الارض ومعادلة العلاقة معها. ففرق بين الوطن وفرصة العمل، وفرق بين انسان يرى في الارض خياره الوحيد الذي يجب ان يدافع عنه ويضحي من اجله وبين من يرى في الارض مكانا للعيش تتضاءل قيمته اذا وجد مكانا آخر بمواصفات ايواء افضل.
الاوطان ليست تشريعات وترابا ومشاريع اسكان، تماما مثلما هي الأم ليست كائنا حيا فقط، ولهذا فرق بين ان يعامل الشخص أمه كخادمة له وبين أن تكون أما، تماما مثل الفرق بين الأرض والجغرافيا كوطن، ومساحات من التراب وبيوت ومحلات تجارية.
وأخيرا انقل عن البروفسور اللبناني ابراهيم السلطي، احد كبار الاطباء في الجامعة الاميركية في محاضرة له في عمان، قوله: "الأوطان ليست كالفنادق، اذا لم تعجبنا خدمة احدها تركناها إلى آخر"، وهنا لا نتحدث عن سفر لعلم أو عمل، لكن فك ارتباط نفسي وعقلي بين الشخص والأرض التي يعيش عليها!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة