الملايين من العرب فضلاً عن الاشقاء العراقيين اجتاحهم الفرح وهم يشاهدون تأهل المنتخب العراقي لكرة القدم الى المباراة النهائية في بطولة الامم الآسيوية، وهو فرح تختلط فيه الرياضة بما هو أكبر. انها لحظات التضامن مع بلد عربي شقيق انهكته دبابات الاحتلال وألاعيبه، وقسمته السياسة والعبث الخارجي من دول صديقة وشقيقة بحثت عن نفوذ على حساب العراق ووحدته، او استغلت، بكل روح شيطانية، ظروف الاحتلال لتعمق الجراح وتحول هذا البلد العربي الى حديقة خلفية لها او ورقة سياسية في لعبة النفوذ الاقليمي والدولي.
منتخب الكرة العراقي الذي سجل انجازا عربيا كبيرا يذكرنا بالعراق الموحد يوم ان كان قلعة عربية، وكنا جميعا نتعامل مع مفردات الدولة العراقية بعيدا عن التقسيم الطائفي، فكان العراق عراقا عربيا، لكننا اليوم نشاهد العراق وقد تم تقسيمه طائفيا وعرقيا!
فالمواقع السياسية من رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة مجلس النواب وغيرها تقسم بين الشيعة والسنة والاكراد وغيرهم. والاحياء والشوارع والمدن، وربما المحلات التجارية، دخلت سوق التصنيف الطائفي والعرقي بفضل ديمقراطية الاحتلال الاميركي وعبث بعض الجيران الذين كان حلمهم تدمير دولة العراق وتحويله الى دمار على اهله وورقة نفوذ في جيوبهم.
منتخب الكرة يذكرنا بالعراق الموحد, فكل لاعب يمثل العراق وعلى صدره علم الدولة. والحمدلله انه قد نجا من التقسيم والا لكان خط الدفاع شيعيا والوسط كرديا والهجوم سنيا والحارس اشوريا، فهو من الهيئات التي خرجت مما نرى من امراض الطائفية بعدما اجتاحت الامراض المؤسسات السيادية من جيش وشرطة وحكومة وبرلمان.
ليست فقط الكرة التي تجعلنا نفرح للعراق على انجازه، بل لاننا نحب العراق قويا، ولانه يوم ان كان قويا كان سداً لكل الامة من اطماع واختراقات تخاف منها الكثير من الدول. ورغم تحفظنا على الاخطاء السياسية في العهد السابق، بما فيها غزو الكويت، الا ان للعراق فضلا على امته عبر التاريخ، وعندما نشجع فريقا عراقيا في بطولة قارية فلأنه في نظرنا بلد لا نحبه الا موحدا وقويا وحاضرا.
ليس العراق ذلك البلد الذي تتحول مكاتب حكومته الى قاعات لاجتماعات بين بلدين طامعين فيه وتعيثان بسيادته وامنه. اميركا وايران تجتمعان عبر مسؤولين فيهما في بغداد لتتناقشا في كيفية اعادة الامن للعراق، وهما اصل الداء والبلاء الذي يعانيه العراق، فاميركا دولة عدوانية محتلة فككت الدولة وقتلت وسرقت المقدرات، وايران عملت تحت تأثير الثأر من العراق وارادته ساحة نفوذ لها وورقة في صراعاتها الاقليمية.
في بغداد يجلس مسؤولون من واشنطن وطهران للبحث عن مصالحهما. لكن الاجتماع اعتراف من الطرفين ان ما يعيشه العراق من احتلال وتدمير وتوسيع للعنف الطائفي هو من صنع ايديهما، واذا كان للعراق من مصلحة فهو ان يتخلص من احتلال اميركا له وعبث ايران به.
احد المواطنين العراقيين، وعلى شاشة احدى الفضائيات، لخص الامر بقوله: "ان منتخب الكرة صنع للعراقيين فرحا عجز السياسيون عن صناعته". فالسياسة في عهد الاحتلال والنظام السياسي لم تأت الا بالحزن والقتل والتهجير والجثث المجهولة والتطهير الطائفي.
طبعا فرحنا بالانجاز العربي العراقي لا ينسينا فرحا اخر بانجاز كروي مواز للأشقاء في السعودية الذين وصلوا مع العراقيين الى المباراة النهائية لبطولة الامم الآسيوية، لكن المأساة التي يعيشها العراق وشعبه تجعلنا أكثر فرحا بكل ما يمكن ان يذكرنا بالعراق الموحد والدولة العربية العراقية.
المراجع
الموسوعة الرقمية العربية
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة العلوم الاجتماعية