ما يحدث لمجتمعاتنا أمر رهيب ومرعب؛ فحجم الانهيار الأخلاقي والنفسي كبير جداً. وما نشاهده، منذ عامين، من صور ومقاطع فيديو قادمة من مصر وسورية وليبيا واليمن، يؤذن بدخول المجتمعات العربية حالة جديدة خارج السياق الإنساني، حتى البدائي منه!
الانهيار لا يقف عند حدود صورة أو صيغة معينة؛ بل هو في مختلف الأبعاد والاتجاهات، ويأخذ طابعاً دينياً متطرفاً في أحيان، وطابعاً معادياً للدين في أحيانٍ أخرى، ما يجعل من العامل الأكثر قدرة على تفسير ما يحدث هو الاجتماعي، لا الأيديولوجي. وربما اختصر ذلك صديقنا الصحفي اللبناني حازم الأمين، في مقاله (عن الانتحاري اللبناني) بعنوان "فتّش في السيسيولوجيا لا في الأيديولوجيا"!
لم تعد أفلام الرعب، بأبشع تقنياتها ورواياتها، تساوي شيئاً اليوم عندما نشاهد ما يحدث في سورية؛ فأيّ فيلم رعب أكثر من تلك الصور والمشاهد لأطفال يختنقون بغازات النظام السوري، وعائلات تحترق بالبراميل المتفجرة، وأحياء وعمارات تسوّى بالأرض، على من فيها، بالصواريخ القادمة من "الجيش السوري"!
وإذا كانت الشعوب العربية تعوّدت أن تشاهد أو تقرأ عن مجازر أنظمتها، وعن إنجازاتها الوحيدة بإبادة شعوبها وتعذيبها، فإنّ الجديد في المشهد العربي هو أنّ الشعوب نفسها بدأت تستنّ هذه السنّة، وكسرت احتكار الأنظمة. إذ نجد مشاهد لأبشع أنواع القتل والتعذيب والممارسة، تأتي من جانب الفصائل المسلّحة، مثل "داعش"، والمجموعات المتطرفة الشيعية التي تقاتل إلى جانب النظام السوري. وما نشاهده من سلوك مخز لأعضاء من حزب الله في سورية، أتى على ما شكّله الحزب من صورة مغايرة قبل الثورة السورية؛ إذ إنّ سورية أسقطت القناع، وكشفت الوجه الطائفي والمتطرف المتواري وراءه!
بمجرد أن تفتح على مقاطع التعذيب في سورية، من أيّ طرفٍ كان، حتى تبدأ بسماع الكلام البشع، وتشاهد ما هو أبشع؛ من تعذيب وقتل بدمٍ بارد، وتقطيع للرؤوس، وهتك للكرامة الإنسانية، واستباحة كل ما يمكن أن يمتّ إلى الإنسانية بصلة، فلم يبق للأخلاق أي مساحة، حتى لو كانت ملّيمترا واحدا!
بشار الأسد انتصر في شيء واحد، وهو جرّ الثورة السورية إلى ممارسات تخرج بها تماماً عن الدوافع والقيم التي حرّكت المجتمع السوري نفسه في البداية، ودفع ثمناً باهظاً لها. ولك أن تتخيّل اليوم كيف سينشأ ملايين الأطفال السوريين في مخيمات اللاجئين وفي الغربة، وبأحلام القتل والذبح والتدمير التي عايشوها؛ أيُّ جيل سنرى في المستقبل، وأيّ عملية تأهيل كبرى تحتاجها سورية إذا ما تعافت من جراحها؟!
لن نتحدث عما يحدث للمجتمع المصري من حالة استقطاب وتطرف، حتى شاهدنا صوراً مرعبة لقتل المتظاهرين السلميين في "رابعة العدوية" و"النهضة"، وتبريك الإعلام والنخبة المزيفة لهذه الجرائم! ولن نتحدث عن حالات السحل والقتل كتلك التي حدثت مع المتشيعين أو أعضاء في "الإخوان"، من قبل أفراد في المجتمع نفسه. فما رأيكم أن ندير أبصارنا إلى ظاهرة مخجلة فظيعة، مثل حوادث التحرّش والاغتصاب التي تحدث على مرأى من العالم، وفي الميادين العامة؛ عندما تجتمع مجموعة كبيرة من الشباب على فتاة ويتناوبون على اغتصابها، ولا يستطيع أحد إنقاذها من بين أيديهم. وهو ما تكرر عشرات المرّات، وكأنّنا خارج أي نسق إنساني؛ فأيّ مستقبل منتظرٍ لشعوبنا!
لدينا، في الأردن، صورة مختلفة، لكنّها مقدّمة مرعبة لاستعدادات شبيهة. فما جرى في امتحان الثانوية العامة "التوجيهي"، والعنف المجتمعي والجامعي، والتنمّر على القانون، وانتشار الجريمة والتطرف، وانضمام مئات من شبابنا إلى "داعش".. جميعها مؤشرات انهيار اجتماعي أخلاقي نفسي إنساني، إن لم نتداركه سندفع أضعافه غداً!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد